الانتقال من منطق القبلية إلى مفهوم المواطنة

يقف المجتمع الموريتاني – كما كثير من المجتمعات – أمام معادلة دقيقة لا تحتمل التبسيط ولا الشعارات.
فالقبيلة في واقعنا ليست مجرد رابطة دم، بل شبكة تضامن اجتماعي، وإطار حماية، ورافعة رمزية تمنح الفرد شعورًا بالانتماء في بيئة شحيحة الموارد وضعيفة الخدمات. وحين تغيب الدولة أو تضعف عدالتها، تتمدد القبيلة تلقائيًا لتملأ الفراغ. لذلك فإن تجاهل حضورها أو شيطنتها لا ينتج دولة حديثة، بل يخلق صراعًا مكتومًا بين الواقع والنصوص.
لكن في المقابل، حين تتحول القبيلة من إطار اجتماعي إلى أداة نفوذ سياسي ووسيلة توزيع للفرص والوظائف، فإنها تقوّض مبدأ تكافؤ الفرص، وتُضعف الثقة في المؤسسات، وتُرسّخ شعورًا بالغبن لدى من لا سند لهم إلا كفاءتهم. هنا يصبح الانتماء مقدّمًا على الاستحقاق، ويذوب مفهوم المواطن في ظل مفهوم “ابن الجماعة”.
دولة المواطنة لا تعني محو القبيلة من الوجود، ولا اقتلاع الناس من جذورهم، بل تعني نقل الولاء في المجال العام من العصبية إلى القانون. أن يكون معيار الحقوق والواجبات هو الدستور، لا النسب؛ وأن تكون الحماية بيد القضاء، لا بيد العصبة؛ وأن تُدار الوظيفة العمومية بمعيار الكفاءة، لا بمعيار القرابة.
الانتقال من منطق القبيلة إلى منطق المواطنة ليس قفزة فجائية
بل مسار تراكمي يبدأ بإصلاح التعليم، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ الشفافية في التوظيف، وتحييد الإدارة عن الحسابات الضيقة. كما يتطلب خطابًا ثقافيًا هادئًا لا يصادم المجتمع بل يقنعه بأن دولة القانون ليست خصمًا لهويته، بل ضمانة لكرامته.
فالقبيلة يمكن أن تبقى إطارًا اجتماعيًا وثقافيًا، لكن الدولة يجب أن تبقى إطارًا سياسيًا وقانونيًا جامعًا. وحين يشعر الفرد أن حقه مصان بصفته مواطنًا، لا بصفته تابعًا، ستتراجع الحاجة إلى الاحتماء بأي انتماء آخر.
المعادلة إذن ليست: قبيلة أم دولة، بل كيف نجعل القبيلة شأنًا اجتماعيًا، والمواطنة مرجعية عليا في المجال العام. هناك فقط تتوازن الهوية مع العدالة، ويستقيم البناء الوطني على أساس لا تهزه العصبيات ولا تغريه المصالح الضيقة.




