نفثة مصدور .. في رحيل العلامة المربي أحمد ولد أباه (ح 1) / بقلم الدكتور محمد الحنفي دهاه

بِسْم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم
غيب القدر المحتوم رجلا من رجال الله الذين خصهم من محبته بخصوصية شهد بها القاصي والداني، وعرفها الغريب قبل القريب، وخضعت لسلطان جمالها قلوب البشرية جمعاء.
ولست في هذه السطور بصدد الحديث عن سيدي وشيخي أحمد بن عبد الله بن محمد فال حديث تعريف ولا ترجمة ولا استقصاء. فليس لي بذلك من حول ولا قوة. ولا أذكر بداية تعلقي به فقد وجدتني مشغوفا به جبلة وحتى قبل ملاقاته، لكثرة ما كان والدنا محمد مختار بن دهاه رحمه الله تعالى يذكره في حديثه ويعبر عن شوقه له وتفانيه في محبته فلم يكن مجلس من مجالسه يخلو من الحديث عن مناقب أسرة العلم والفضل والصلاح أهل محمد فال بن باب وخاصة شيخه السيد عبد الله بن محمد فال الذي يروي مما وقع بينه معه العجب العجاب، وكما انتقلت خلافة السيد عبد الله إلى ابنه الأكبر ووارثه الأطهر السيد أحمد انتقلت محبة شيخنا ووالدنا دهاه وتعلقه بالسيد إليه ودام على ذلك حتى آخر لحظات حياته.
تعلق روحي روحها قبل خلقنا
ومن بعد ما كنّا نطافا وفِي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا
وليس وإن متنا بمنفصم العهد
وَمِن أول ما عقلته من زيارات السيد أحمد للوالد في مدينة الخير بداية سبعينيات القرن الماضي ذلك الفرح العارم والسرور الذي تبرق له أسارير الوالد وأخيه وصنوه حرمة بن خين حين يأتي البشير مبشرا بقدومه
لو أن روحي في يدي وهبتها … لمبشري بقدومكم لم أنصف
لا تحسبوني في الهوى متصنعا … كلفي بكم خلق بغير تكلف
وكان الوالد يؤثر أخاه حرمة ويقدمه على نفسه في ضيافة السيد أحمد لما يتحقق من صدق محبته له ويستدل على ذلك بالآية الكريمة (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، وكنت أتطفل على تلك المجالس الغنية بنور العلم وصفاء المعرفة ونقاء السريرة، وصدق المحبة .
وَمِن المشاهد التي لا تغيب عن عيني كيف كانت وجوه أولئك المشايخ تجمع في آن واحد سرورا منقطع النظير مع سيل من الدمع الجاري الغزير.
يا أخت سعد من حبيبي جئتني … برسالة أديتها بتلطف
فسمعت مالم تسمعي ونظرت ما … لم تنظري وعرفت مالم تعرفي
إن زار يوما يا حشاي تقطعي … كلفا به أو سار يا عين اذرفي
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي … إن غاب عن إنسان عيني فهو في
وقد جئت رفقة الوالد في إحدى زياراته للنباغية نهاية سنة 1976 وأثناء إقامتنا في بيت السيد أحمد العامر دعاني الوالد وطلب من السيد أن يلقنني ورد الطريقة فرد عليه أن يلقنني هو وبعد أخذ ورد في الموضوع طلبا رأيي فأجبت بأنني أريد الأخذ عن السيد أحمد لما أتيقن من محبة الوالد لذلك ولما أَجِده في نفسي من التعلق بهذا الشيخ الجليل.
وتذكرا لعهود أيام مضت … يا ليت شعري هل تباع فتشترى؟
وعن السيد أحمد أخذ الطريقة كذلك الخليفة محمد الكبير بن دهاه وعدد من أفراد الأسرة ولله الحمد والمنة.
ولئن كان الموت الْيَوْمَ قد غيب شخص هذا الشيخ الجليل فإن له ولأسرته الكريمة في قلوبنا من خالص الحب والود ما لا تحيط به الدواوين ولا تكفي محابر العالم للتعبير عن كنهه وحقيقته؛
إذا رمت عنا سلوة قال شافع
من الحب ميعاد السلو المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا
سريرة ود يوم تبلى السرائر
…… يتواصل بحول الله تعالى




