الأخبارالصدى الثقافي

تراث موريتانيا بين سحر الاكتشاف وخطر النهب الثقافي /احمد ولد الدوه الشنقيطي

لم تكن رحلة الزوجين الفرنسيين فرانسواز موديه وميشال موديه إلى موريتانيا مجرد رحلة سياحية عابرة، بل تحولت إلى كتاب جديد يوثق تفاصيل السفر إلى آطار وشنقيط والواحات الموريتانية،

وما تختزنه البلاد من ذاكرة إنسانية وثقافية وروحية.

وبينما احتفت الصحف الفرنسية بهذه التجربة، يبرز سؤال مؤلم: لماذا ما تزال موريتانيا تُكتشف وتُروى غالباً بأقلام الآخرين؟
إن ما يلفت الانتباه ليس فقط شغف الزوجين الفرنسيين بالسفر عبر القطارات والحافلات للوصول إلى آطار بعد رحلة استغرقت أسبوعين، وإنما إدراكهما لقيمة المكان الموريتاني؛ فهما رأيا في الواحات والمدن التاريخية والتراث الصحراوي مادة إنسانية وثقافية تستحق التوثيق والنشر والتحويل إلى كتاب.

بينما نحن، أصحاب الأرض والتاريخ، ما زلنا نتعامل مع كثير من كنوزنا الحضارية وكأنها تفاصيل عادية لا تستحق الاستثمار الثقافي والمعرفي.
لقد ظلت مدن مثل آطار وشنقيط ووادان وولاتة وتيشيت تمثل خزائن مفتوحة للباحثين والمستشرقين والرحالة الأجانب، الذين أدركوا مبكراً قيمة المخطوطات الصحراوية، والعمارة التقليدية، والذاكرة الشفوية، وأنماط العيش القديمة.
وفي المقابل، ظل الاهتمام المحلي ضعيفاً ومتقطعاً، يفتقر إلى مشروع وطني حقيقي لحماية التراث وتحويله إلى قوة ناعمة وثروة اقتصادية وثقافية.

إن المشكلة لا تكمن في زيارة الأجانب لموريتانيا أو الكتابة عنها، فذلك أمر طبيعي ومطلوب، بل تكمن في غياب الرواية الوطنية القادرة على تقديم تاريخ البلاد وتراثها من منظور موريتاني يحفظ الذاكرة ويصون الهوية.

فكم من مخطوطات نادرة خرجت من البلاد بطرق مختلفة؟ وكم من قطع أثرية بيعت بثمن بخس أو هُربت إلى متاحف وأسواق خارجية؟ وكم من مواقع تاريخية تُركت للإهمال والتآكل تحت تأثير الزمن والتصحر؟
لقد أصبحت حماية المدن التاريخية مسؤولية وطنية تتجاوز الجانب الثقافي إلى البعد السيادي والحضاري.

فمدننا القديمة ليست مجرد حجارة طينية أو أحياء تراثية، بل هي ذاكرة أمة كاملة، وشاهد على دور موريتانيا العلمي والديني والتجاري عبر القرون.

ومن هنا يبرز الدور المنتظر من المتحف الوطني والمؤسسات الثقافية والبلديات والجامعات ومراكز الدراسات ، ليس فقط في حفظ الآثار، بل في توثيقها ورقمنتها والتعريف بها عالمياً.

كما أن الاستثمار في التراث لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح صناعة اقتصادية عالمية.

فالدول اليوم تبني نفوذها من خلال تاريخها ومتاحفها ومدنها القديمة وصورتها الثقافية في العالم.

وموريتانيا تمتلك من المقومات ما يجعلها وجهة عالمية للسياحة الثقافية والصحراوية إذا توفرت الإرادة والرؤية والاستثمار.

إن رحلة الزوجين الفرنسيين إلى موريتانيا يجب أن تُقرأ بوصفها رسالة تنبيه قبل أن تكون مجرد قصة سفر؛ رسالة تقول إن العالم يرى في بلادنا ما لا نراه أحياناً نحن في أنفسنا.

فهل ننجح أخيراً في حماية كنوزنا التاريخية والمعرفية، وكتابة سرديتنا الوطنية بأقلامنا، قبل أن يكتبها الآخرون نيابة عنا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى