لعنات الكراهية …! / بقلم : حسين الذكر

المصدر : الكاتب /
إن تجييش الكراهية بلغ حدا أفقدنا القدرة فيه عن فهم أسباب نهش الآخر .. مع أننا خلقنا من ذكر وأنثى لنتعارف وفقا للنص القرآني الصريح، الذي أكد على كرامة الانسان بمعزل عن قوميته .. إذ جعل ( الكرامة ) موازية للتقوى الذي لا يمكن تفسيره خارج نص تدبير شؤون الانسان وإشاعة السلوك الحسن كأحد أهم مسلمات ترجمان ( ان الله غني عن العباد ) .
في واحدة من الكلمات الرائعة التي طرحت قبل آلاف السنين على لسان النبي عيسى بن مريم ع قال : ( لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنازير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئًا ، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها ). كانه تنبأ بقدرة الخنازير بالتحكم في رقاب الناس دون أي حق وشريعة وحكمة .
قرأت منذ بواكير الوعي لسقراط قولا مشابها يقول فيه : ( إن إلقاء الحكمة لمن لا يجيد معناها ولا يقدرها كتقديم مائدة طعام للموتى في القبور) .
ثمة سؤال يصدع الرؤوس، ويغرس في العقل الباطن .. يا ترى كيف للأمم والمجتمعات أن تعيش بسلام وتحب الآخر إنتمائيا برغبة جامحة للتعارف والتعاون لصناعة نهاية التاريخ الموعودة وربما الحتمية .. في ظل ما يدور حولنا من فلك الكراهية كاستراتيجية أبدية، ووسيلة حتمية للهيمنة على المقدرات والتحكم بالرقاب ..
كيف لنا حب الآخر وقد عبئنا منذ الطفولة والأصلاب بالكراهية الاستراتيجية التي أسست وسقت أسباب الخلاف القومي والمذهبي والعرقي .. وغيرها من حروب ما زالت مستعرة بذات الصيغة المتداولة منذ آلاف السنين ، وإن تغيرت العناوين والمسميات ، فاستعباد الشعوب هدفا واستغلالها لإقامة حضارة فارهة لا بد أن تقوم على ملامح أمم مقهورة وحقوق مضيعة في الضفة الآخرى .. ولو بستار قيم ما زالت تطلق على نفسها إنسانية مع أنها لا تتعاطى مع الانسان بمعيار واحد أو بأقل تقدير الإيمان بالمصير المشترك .
كانت “فرق تسد” عملة نادرة و إن المتبضعين بها حصلوا عليها من خارج الكوكب وهم وحدهم الهابطين من السماء، وحتم عليهم قيادة الآخر وفقا لسياسات وأجندات ووقائع سالفة ،ما زالت سائدة موجعة لا يمثل أي جزء فيها حضارة العقل البشري، الذي رسم خطاه الفلاسفة والانبياء والمفكرون والصالحون …
حتى علماء المادة ممن جادوا علينا بنعم التقنيات كانوا حريصين على ضرورة استخدامها كخيمة حضارية لا كأداة استغلالية .
لقد حذر المسيح بن مريم العلماء والقيادات من خطر الانشغال بهموم الدنيا دون احتساب الآخرة أو نهاية العالم في الحسبان .. حتى وصفهم بعلماء السوء الذين جعلوا الدنيا فوق رؤوسهم .
مع تتبعي لمصادر الرقي العلمي لم أجد عالما حقيقيا إلا أن يكون فيلسوفا قبل ذاك .. والفلسفة هنا تعني التساؤل ، وهذا التساؤل لا بد أن يفضي الى إيمان أعمق، مع أنه لا يحظر نتاجات العقل، لكنه لا يستطيع التحكم باستخداماتها التي تبقى رهينة بمن ينظرون إلى الأرض من زاوية واحدة بمعزل ومأمن عن كهنوت السماء وحتمية تدخلها .. ليس من وجهة نظر دينية فحسب بل أن قصور الإنسان ككائن فردي أو مؤسساتي تستحوذه فلسفة أنانية السلوك والفكر برغم كل ما إعتراها من إدعاء الوعي والتحضر ما زالت قاصرة .. وهذا بحد ذاته دليل قاطع على نقص لا يمكن للإنسان أن يسده دون سبل السماء !




