تونس : بلاغ صادر عن وزارة الدفاع يثير جدلا سياسيا ساخنا
أثار بلاغ وزارة الدفاع الوطني، الخميس 21 ماي/أيار 2026، الكثير من التساؤلات، حول الغاية منه وسبب نشره في هذا التوقيت بالذات، وهو البلاغ الذي أكد “تواتر محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية وبقياداتها في التجاذبات والمزايدات والتشكيك في حيادها واستقلاليتها”.
وفي هذا السياق، ذكّرت وزارة الدفاع، بأنّ “الجيش الوطني هو جيش جمهوري قائم على الانضباط ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه في التزام تام بالحياد واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية”.
وزارة الدفاع التونسية: تواتر محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية وبقيادتها في التجاذبات والمزايدات والتشكيك في حياديتها
كما أكدت الوزارة من جديد، أنّ “الجيش الوطني سيظل ملتزمًا بعقيدته العسكرية وسيواصل أفراده العمل في كنف الروح الوطنية ونكران الذات، والتفاني في أداء الواجب بكل شرف وأمانة خدمة لمصلحة الوطن العليا”.
وفي هذا الإطار، تفاعل نشطاء حول بلاغ وزارة الدفاع، فأشارت الصحفية منية العرفاوي إلى أنّ “البلاغات مهمتها الأساسية التوضيح وتقديم أجوبة حول ما التبس من الأمور أو لرفع الغموض واستجلاء الحقائق حول بعض الوقائع أو للإخبار بما نجهله.. ولكن بلاغ المؤسسة العسكرية يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة.. حيث قام بتوضيح البديهات وما هو متفق عليه في الحدّ الأدنى”.
وزارة الدفاع التونسية: الجيش الوطني سيظل ملتزمًا بعقيدته العسكرية وهو ملتزم التزامًا تامًا بالحياد واحترام قوانين الدولة
ولفتت إلى أنّ “بلاغ وزارة الدفاع المباغت يحتمل التفكير والتأويل، وهو الذي لا تبدو خلفياته وأسبابه واضحة بالقدر الكافي في ذهن عامة الناس، على اعتبار أنّ المؤسسة العسكرية من أكثر مؤسسات الدولة تحفظّا وصمتًا، وذلك في كل العقود ومع كل الأنظمة ومهما كانت الأحداث، ولم تضطر للتوضيح إلا في مرّات قليلة جدًا وفي سياقات اضطراب شديد، فرضت عليها تقديم بعض التوضيحات”.

وقد دوّن الكاتب والصحفي بسام بونني أنه “ليس لوزارة الدّفاع أيّ تاريخ، في سياستها الاتّصاليّة، في الخوض في الشّأن العامّ، بما في ذلك النّأي بنفسها عمّا قد يُستشفّ منه تدخّلٌ – بأيّ شكل من الأشكال – في السّياسة. الاستثناءات القليلة اللّافتة كانت أساسًا في سياق بعينه ومع شخص بعينه.. وبالتّالي، يٌصبح مجرّد الخوض في الشّأن العامّ من الوزارة، في بيان رسميّ، مثيرًا للانتباه – وقد يكون للقلق أيضًا لدى كثيرين”.
وأضاف بسام بونني: “في المضمون، لا أعتقد أنّ كاتبَ البيان قد انتقى عباراته بشكل عشوائيّ. واللّافت، من أوّل قراءة، عبارة (تجاذبات)، الّتي تُستخدم بشكل يكاد يكون حصريًّا ضمن منظومة الحُكم، لا خارجها أو حولها. كما إنّه من اللّافت ألّا يُشير صاحب البيان إلى رئيس الدّولة، القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، لا من قريب ولا من بعيد، لا تصريحًا ولا تلميحًا”.
الكاتب والصحفي بسام بونني: لم يحصل طارئ ولم تُشنّ حملة من شأنها تبرير فحوى بيان وزارة الدفاع.. أهمّيّة البيان تكمن في مجرّد صُدوره، ناهيك عن غموضه
ومن حيث السّياق، وهو أمر أكد بونني أنه “لا يقلّ أهمّيّة لا عن الشّكل ولا عن المضمون، لم يحصل طارئ ولم تُشنّ حملة من شأنها تبرير فحوى البيان. حتّى دعوة ناشطين سياسيّين لتدخّل الجيش (لإنقاذ البلاد) أمر تجاوزناه، أو لنقل إنّه لم يعد مُستجدًّا، من جهة، ولا مُلحًّا، من جهة أخرى.. وبناءً على ما سبق، لسائل أن يسأل، هنا: لماذا هذا البيان؟ لماذا الآن؟ لمن هذا البيان؟”.
وأوضح أنّ “هذه الأسئلة، وإن لم تكن إنكاريّة، فهي تحمل في طيّاتها أجوبة أوّليّة، ليس أقلّها – وبعيدًا عن أيّ تخمينات للبعض، أو تحاليل بمنطق التّمنّي للبعض الآخر – أنّ أمرًا ما جللًا يحصل! وهنا سؤال آخر يفرض نفسه: على أيّ مستوى يحصل هذا الأمر الجلل؟ الخاتمة المنطقيّة لتقدير الموقف الأوّليّ لكلّ ذلك هي أنّ أهمّيّة البيان تكمن في مجرّد صُدوره، ناهيك عن غموضه”.
في المقابل، اعتبر المحامي محمد علي المستيري، أنّ بلاغ وزارة الدفاع، “بما تضمّنه من حديث عن (التجاذبات) و(المزايدات) ورفض الزجّ بالمؤسسة العسكرية فيها، يطرح أسئلة أكثر ممّا يقدّم أجوبة. ذلك أنّ النقاش العام في تونس، خلال الفترة الأخيرة، لم يشهد أصلًا جدلًا جدّيًا حول دور المؤسسة العسكرية في الشأن العام، ولم تكن المؤسسة العسكرية محلّ تجاذب سياسي مباشر بالمعنى الذي يوحي به البيان”.
ومن هذا المنطلق، لفت إلى أنّ “صدور هذا البلاغ يبدو أمرًا غريبًا وغامضًا، لأنّه جاء ليحذّر من أمر لا يظهر أنّه مطروح فعلًا في الساحة الوطنية. فما الداعي الحقيقي وراء هذا البيان؟ وما الرسالة التي يراد تمريرها من خلاله؟ هي أسئلة لم نجد لها أجوبة واضحة داخل نصّ البلاغ نفسه، بما أنّه جاء عامًا وفضفاضًا، قابلًا لقراءات وتأويلات متعدّدة”.
وأضاف أنه “في مثل هذا المناخ السياسي، سيسارع كلّ طرف إلى تأويل البيان بما يخدم سرديّته وموقعه. وهو ما يجعل البلاغ، بدل أن يضع حدّا للتأويلات، يفتح الباب أمام مزيد منها.. المؤسّسات السيادية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، تحتاج دائمًا إلى خطاب واضح ودقيق يقطع مع الالتباس ويحسم التأويلات، لأنّ الغموض في مثل هذه البيانات لا يهدّئ الساحة بل يزيدها ارتباكًا. ولذلك فإنّ هذا البيان، بصيغته الحالية، عمّق الغموض أكثر ممّا قدّم حلولًا أو أجوبة”.


وعن توقيت هذا البلاغ، اعتبر البعض أنّه غالباً يرتبط بـ “ارتفاع منسوب التجاذبات السياسية واستباق الأزمات، وردًا مباشرًا على تصريحات أو تدوينات معينة”.





