الجاحظ من أزقة البصرة إلى خلود التاريخ / كتب : ا.د كريم فرمان
منذ ساعتين
89
ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.
تنويه من المحرر : مقال الاستاذ الدكتور كريم فرمان ,الجاحظ من أزقة البصرة إلى خلود التاريخ, ترجمة لمقالته بعنوان Al-Jahiz: From the ) Alleys of Basra to Historical Immortality
المنشورة في مجلة دراسات دولية International Studies التي تصدر عن كلية الدراسات الدولية School of International Studies بجامعة جواهر لآل نهرو(JNU ) في نيودلهي عام 2025 . تأسست المجلة عام 1959م وتعد من أقدم وابرز المجلات الأكاديمية الهندية المتخصصة في هذا المجال وتصدر كل 3 أشهر وتتشر المجلة مقالاتها بالتعاون مع دار النشر العالمية SAGE Publication , ولأهمية المقال الفائقة وتعميما للفائدة قامت الصدى بإعادة نشره.
لم يظلم ذكر كاتب عظيم في مناهج العلوم السياسية العربية والفكر السياسي العربي والإسلامي مثلما ظلم الجاحظ حتى كنت اتألم عندما اسال طلبتي في مادة النظم السياسية عن مدى معرفتهم بافكار الجاحظ وكانت افضل اجاباتهم انه مؤلف كتب عن الحيوانات او كاتب في البلاغة. بينما يعتمد الجاحظ بشكل واسع في مناهج أقسام الشرق الأوسط، الأدب المقارن، والدراسات الإسلامية في كبرى الجامعات الأمريكية والبريطانية (مثل هارفارد، أكسفورد، وكامبريدج). ويُعتبر كتاب “البخلاء” وكتاب “الحيوان” و”رسائل الجاحظ” من الركائز الأساسية المعتمدة لتدريس النثر العباسي، والتاريخ الاجتماعي، وعلم الكلام المعتزلي. وأشهر الكتب باللغة الإنجليزية عن الجاحظ هو البروفيسور البريطاني جيمس مونتغمري (James E. Montgomery)، أستاذ الكرسي العربي في جامعة كامبريدج، ويعد أهم باحث بريطاني ألّف وأنتج دراسات نقدية وترجمات معاصرة عن الجاحظ،ويعتبر كتابه “Al-Jahiz: In Praise of Books” (الجاحظ: في مدح الكتب) الصادر عن دار نشر جامعة إدنبرة مرجعا مهما وفيه يحلل مونتغمري كيف شكّلت الثقافة المكتوبة والكتب محور الهوية الفكرية في العصر العباسي بناءً على نصوص الجاحظ. كما ان هناك كتب شهيرة أخرى بالإنجليزية:”The Life and Works of Jāḥiẓ” للمستشرق الفرنسي الشهير شارل بيلا (Charles Pellat) (ترجمته للإنجليزية هيلاري كيلباتريك)، وهو الكتاب المرجعي الأكاديمي الكلاسيكي الذي جمع شتات سيرة الجاحظ وتحليل رسائله.”The Book of Misers” وهي الترجمة الإنجليزية الكاملة لكتاب البخلاء التي قام بها الباحث R.B. Serjeant وضبطتها الجمعية الآسيوية. لكن السؤال المنطقي لماذا يفضل الكتاب والباحثون الغربيون ابن خلدون على الجاحظ علمياً وبحثياً؟يرجع تفضيل الأكاديميين الغربيين لـ ابن خلدون من الناحية “العلمية والمنهجية” إلى طبيعة التخصصات الحديثة وبنية التفكير والأسلوب بين الرجلين، ويتلخص ذلك في
وجه المقارنةفابن خلدون (منهج علمي بنيوي) بينما | الجاحظ (منهج أدبي استطرادي) .
ومن جهة التخصص الأكاديمي ابن خلدون هو مؤسس “علم العمران البشري” (علم الاجتماع) والجاحظ يعد رائد “الأدب والبيان” والموسوعية الإنسانية .
وامتاز الأول بصرامة منهجية، فصول مرتبة، وقوانين مفسرة اما الثاني اتسم بأسلوب الاستطراد، والخلط بين الجد والهزل.
وإذ اسهم ابن خلدون في صياغة نظريات عامة لتفسير سقوط الدول امتاز الجاحظ بنقد المجتمع، المتعة الأدبية، وتوثيق السلوكيات . كما ان الغرب يرى في ابن خلدون واضع الحجر الأساس لعلوم حديثة كاملة، حيث سبقت “مقدمته” نظريات علماء اجتماع غربيين مثل أوجست كونت، وماكيافيلي، ودوركهايم بقرون، و نظريته حول “العصبية” والدورة الحيوية للدول تُدرس في أقسام العلوم السياسية والاقتصاد كقوانين علمية مفسرة للتاريخ ،بينما الجاحظ يُصنف كأديب وموسوعي، والأدب بطبعه يخضع للقراءات النقدية والجمالية ولا يُعامل كـ “علم صارم” مقابل الاستطراد (Digression). ابن خلدون وضع في مقدمته منهجاً نقدياً واضحاً لمعالجة الأخبار وتصفية التاريخ من الخرافات بناءً على منطق طبائع العمران. في المقابل، يشتهر الجاحظ بـ “الاستطراد”؛ فقد يبدأ الحديث في مسألة فقهية أو علمية في كتاب “الحيوان” ثم ينتقل فجأة لقصيدة شعرية أو نكتة سخرية لإبعاد الملل عن القارئ. هذا الأسلوب جذاب أدبياً، لكنه يصعب إخضاعه للمقاييس البحثية الغربية الجافة التي تطلب فصلاً تاماً بين الموضوعات . وقام ابن خلدون بتفسير الظواهر الاجتماعية والتاريخية بناءً على أسباب مادية وموضوعية (مثل المناخ، البيئة، وطرق كسب العيش) هذا الفكر المادي والسببي يتناغم تماماً مع مناهج البحث الغربية الحديثة. أما الجاحظ، فرغم امتلاكه عقلية نقدية تقوم على الشك والتجريب (خاصة في رصد سلوك الحيوان)، إلا أن كتاباته ظلت محكومة بالنزعة الكلامية (علم الكلام المعتزلي) والدفاع السياسي والفكري عن الدولة العباسية، مما يجعلها وثيقة تاريخية أكثر منها نظرية علمية مفسرة. ولد عمرو بن بحر الكناني الشهير بـ “الجاحظ” لجحوظ عينيه، في مدينة البصرة عام 159 ه وعمر تسعين عاما . لقد نشأ يتيماً فقيراً يبيع السمك والخبز، لكن شغفه بالقراءة قاده ليكتري دكاكين الوراقين ليلاً ليلتهم ما فيها من كتب، تميز بنبوغ مبكر، وعقلية نقدية فذة، وخفة ظل واضحة، فامتزجت في شخصيته حدة الذكاء بالقدرة الفائقة على السخرية والتهكم، مما جعله أديباً ومفكراً موسوعياً لا يشبه أحداً. (( الجاحظ السياسي: منظّر السلطة وفلسفة الحكم)) لم يكن الجاحظ أديباً منعزلاً في برج عاجي، بل كان قريباً من مطبخ القرار السياسي في العصر العباسي، وعاصر خلفاء بارزين كالمأمون والمعتصم والمتوكل. اتسمت رؤيته السياسية بالعمق والواقعية، وصاغها في كتب ورسائل شهيرة مثل “كتاب التاج في أخلاق الملوك”، ورسالة “استحقاق الإمامة”، ورسالة “في النابتة”. وتتلخص أفكاره في الآتي:
* شرعية الحكم وكفاءة الحاكم: يرى الجاحظ أن الحاكم يجب أن يجمع بين القوة والعدل، وأن استحقاق الإمامة أو القيادة لا يأتي بالوراثة الصماء، بل بالكفاءة والعلم والقدرة على تدبير شؤون الرعية. * سياسة الدَّمْج الاجتماعي: كان يرى أن استقرار الدولة يعتمد على حسن إدارة التنوع العرقي والثقافي في المجتمع (خاصة مع صعود الفرس والأتراك في العصر العباسي)، محذراً من تقديم فئة على أخرى بناءً على العصبية. * صناعة الرأي العام: اعتمدت الدولة العباسية على قلم الجاحظ كأداة إعلامية قوية؛ فكان يكتب الرسائل السياسية لتثبيت أركان الدولة وتفنيد أفكار خصومها (مثل العثمانية والزيدية)، مستخدماً أسلوبه البليغ لتوجيه الرأي العام ودعم الاستقرار.
( قيام الدول وسقوطها: رؤية استباقية لمنهج ابن خلدون) وضع الجاحظ ملامح واضحة لأسباب صعود الحضارات والدول وعوامل انهيارها، مستبقاً بذلك نظريات علم الاجتماع السياسي بقرون:
* أسباب قيام الدول: ترتكز عند الجاحظ على “العدل” و”الهيبة”. فالدولة القوية هي التي تبسط الأمان، وتحمي الضعيف، وتعتمد على مستشارين من أهل العقل والخبرة لا من المقربين وأهل النفاق. * أسباب انتهاء الدول: تنهار الدول حسب تحليل الجاحظ عندما يتفشى الفساد المالي والإداري، وعندما يغيب العدل وتطغى الطبقية. كما حذر بشدة من “الأثرة” (أي استئثار الحاكم وحاشيته بالثروات) واعتبرها الشرارة الأولى لاندلاع الثورات وسقوط الأنظمة.
(المنجز الفكري هندسة الأدب وتوثيق التاريخ) إلى جانب السياسة، وضع الجاحظ أسلوباً نثرياً مبتكراً يوازن بين جزالة اللفظ وعمق المعنى. وتتجلى عبقريته في:
* التأريخ الاجتماعي: وثّق طبائع البشر ونفسياتهم بدقة، كما في كتاب “البخلاء” الذي يعد وثيقة تاريخية واجتماعية فريدة لزمانه. * البلاغة والنقد: وضع أسس البيان العربي في كتابه “البيان والتبيين”. * التنوع المعرفي: كتب في الأخلاق، والبلدان، والطبائع، متبعاً منهجاً استقرائياً يعتمد على الملاحظة والتجربة.
( لماذا يعتبر كتاب الحيوان موسوعة العلم والصبر؟) يعد كتاب “الحيوان” درة تاج التراث العربي، وهو ليس مجرد كتاب عن طبائع الحيوانات، بل موسوعة دينية، وفلسفية، وأدبية، وعلمية متكاملة. وتكمن عظمته في ظروف تأليفه فقد أملاه الجاحظ وهو مشلول شقّه الأيمن ومصاب بالنقرس، متحملاً الآلام المبرحة ليقدم للبشرية كتاباً لا نظير له، مما يثبت أن عزم الرجال يصنع المستحيل. ( الجاحظ و المذهب المعتزلي، العقل فوق كل شيء) عاش الجاحظ في العصر العباسي الذي شهد ازدهار حركة الفلسفة، واعتنق مذهب “المعتزلة” العقلاني. وانعكس هذا المذهب بقوة على كتاباته السياسية والأدبية، فكان:
* يقدس العقل ويجعله حكماً في تمييز الأخبار والسياسات. * يرفض التقليد الأعمى ويدعو إلى الشك العلمي الموصل إلى اليقين. * يمزج الجد بالهزل لتمرير الأفكار الفلسفية والسياسية المعقدة لعامة القراء دون تنفيرهم.
وختاما انها دعوة لرؤية جديدة لهذا المفكر والكاتب العظيم الذي تعجز ان تنجب الأمة مثله لقرون قادمة . فالجاحظ ليس مجرد صفحة مطوية في تاريخنا الأدبي، بل هو مفكر سياسي ومصلح اجتماعي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى. وهنا اثبت بعض مقتبسات من أقواله. *العدل ومسؤولية الحاكم”الحاكم العادل من لم يعجل بفصل القضاء دون استقصاء حجج الخصماء”.”اعلم أن الملك لا يصلح إلا بالعدل، والعدل أقوى دعائم السلطان، وأرسخ قواعده”. *”ليس من حق الملك أن يبرح أحد من مجلسه إلا لقضاء حاجة”.” *الحق والباطل لا يعرفان بلقب القائل، بل بوزن القول”. * في تدبير شؤون الحكم والرعية”مدار السياسة يرجع إلى أصلين هما: الترغيب والترهيب”. *”من أخلاق الملك السعيد أن يحرص على إحياء بطانته، حرصه على إحياء نفسه . *ليس كل صامت عن حجته مبطلاً في اعتقاده، ولا كل ناطق بها لا برهان له محقاً في انتحاله”. * إذا كان الحاكم لا يصلح رعيته إلا بما يفسد نفسه، فإنه يبني قصراً ويهدم مصراً”. * في صفات الحاشية والوزراء”الرئيس يحتاج إلى وزراء يبصرونه بما غاب عنه، ولا يداهنونه فيما يظهر منه”. *أهلك السياسات تقريب السفهاء وإقصاء العقلاء”. وفي النهاية استطيع القول إن قراءة الجاحظ برؤية عصرية جديدة تعني إحياء العقلانية العربية، والتحلي بروح النقد، وفهم أعمق لآليات إدارة المجتمعات وبناء الدول. لندع جانباً النظرة التقليدية للجاحظ كأديب قديم ساخر، ولنقرأه بوصفه رائد تنوير، ومنظراً سياسياً ملهماً يستحق دراسة أفكاره بنظارات العصر الحديث.