ملف “السلاح في باسكنو”.. من أين جاءت الشحنة وإلى أين كانت تتجه؟
شحنة جديدة تضم رشاشات تفتح ملف سوق السلاح.. و17 موقوفاً في مسار آخر

باسكنو ـ تحقيق- الصدى /
لم تبدأ قصة السلاح في باسكنو من اعتراف أو بلاغ قضائي، وإنما من معلومة أمنية قادت إلى سيارة رباعية الدفع، قبل أن يتحول التفتيش الروتيني إلى خيط أول في قضية تتسع أسئلتها كلما تقدم التحقيق.
المعلومات المتاحة لـ«الصدى» تفيد بأن مفوضية للشرطة تلقت معلومات عن سيارة رباعية الدفع تقل أشخاصاً من الطوارق، ويشتبه في نقلهم أسلحة. وعلى إثر ذلك، أوقفت الشرطة السيارة عند نقطة تفتيش تابعة لها، قبل أن يكشف التفتيش عن قطع من الأسلحة.
كان يمكن أن تنتهي الواقعة عند حدود عملية ضبط عادية، غير أن التحقيق الذي أعقبها قاد ـ وفق المعلومات المتوفرة ـ إلى خيوط شحنة أخرى لدى فرقة من الدرك الوطني، لتبدأ بعدها سلسلة من التوقيفات والتحريات التي نقلت القضية من مجرد حيازة أسلحة إلى ملف أمني أكثر حساسية.
من السيارة إلى الشحنة.. كيف اتسع نطاق التحقيق؟
مع بدء التحقيقات، ظهرت أسماء عدة ضمن دائرة الموقوفين أو المشتبه في صلتهم بالملف، من بينها ولد عروة، المدير الجهوي للتعليم في ولاية لعصابه، إلى جانب سندة ولد أعمامه، المعروف سابقاً في سياقات إعلامية بصفته ناطقاً باسم تنظيم القاعدة، فضلاً عن عال ولد السيدة، وبدي، وولد بوزقرة، وولد امحيمدات، وآخرين.
لكن أهمية الملف لا تكمن في الأسماء بقدر ما تكمن في طبيعة الخيط الذي يجمع بين الأشخاص والأسلحة والشحنات المحتملة.
وتؤكد «الصدى» أن ورود أي اسم في سياق التحقيق لا يعني ثبوت ارتكاب صاحبه لأي جريمة، وأن تحديد المسؤوليات والاتهامات يبقى من اختصاص الجهات القضائية بعد اكتمال التحقيقات.
وتتولى كتيبة الدرك الوطني في النعمة جانباً من التحقيقات في القضية وسط تكتم شديد، الأمر الذي جعل المعلومات المتداولة محدودة، لكن هذا التكتم الشديد وعدم نشر السلطات لإحاطة إعلامية ولو مقتضبة عن هذا الملف تجعل التسريبات الشحيحة عن الملف ذات أهمية كبيرة لدى وسائل الاعلام ولدى الرأي العام الوطني ، خاصة سكان المنطقة
«أهل الشارة».. رواية تحتاج إلى منطق!
ومن بين الروايات التي ظهرت خلال التحقيق، بحسب المعلومات الشحيحة المتداولة، إفادة بعض المشتبه بهم بأن الأسلحة المضبوطة كانت موجهة إلى نوادي الرماية المعروفة باسم «أهل الشارة».
و من أكثر المعطيات أهمية في القضية ما يتصل بطبيعة الأسلحة المضبوطة، فالمعلومات الشحيحة المتاحة تشير إلى أن الكمية كانت جديدة، و من بينها كمية من الرشاشات.
وهذه المعلومة، إذا أكدت نتائج التحقيقات الرسمية صحتها و تفاصيلها، تجعل رواية توجيه الاسلحة لاهل الرماية (الشارة) بحاجة إلى تدقيق كبير ، لأن الحديث عن وجود أسحلة رشاشة ضمن الكمية المضبوطة ينسف هذه الرواية لاستحالة استخدام أهل الرماية (الشارة) للاسلحة الرشاشة في رياضتهم المعروفة ، كما تفنده أيضا حيقيقة أخرى وهي أن نوادي “الشارة” مرخصة قانونيا وتحصل على احتياجاتها من السلاح والذخيرة بالطرق القانونية من طرف الجيش الوطني
وبالتالي يكون احتواء الشحنة بالفعل لرشاشات حديثة، إن تأكد ينسف فرضية توجيه الاسلحة لأهل الشارة ، وهذا ما يضاعف أهمية التأكيد على ضرورة الكشف عن مصدر الأسلحة، والجهة التي طلبتها، وطريقة نقلها، والجهة التي كانت ستتسلمها.
وهنا تبدأ الحلقة الأكثر أهمية في التحقيق وهي سلسلة الحيازة.
من اشترى؟ ومن دفع؟ ومن نقل؟ ومن كان ينتظر الشحنة؟
السوق الصامتة.. نقاط بيع السلاح تنتشر
القضية لا تقف عند حدود الشحنة المضبوطة، فالمعلومات التي حصلت عليها «الصدى» تشير إلى أن نقاطاً لبيع السلاح انتشرت بكثرة في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، وأن الأجهزة الأمنية كانت ترصد هذه الظاهرة وتتابعها، قبل أن تؤجل التدخل المباشر ضد بعض تلك النقاط لأسباب تكتيكية لم يكشف عنها رسمياً.
إذا صحت هذه المعطيات، فإن ما يجري حالياً قد لا يكون حملة أمنية مفاجئة، وإنما انتقالاً من مرحلة الرصد والمراقبة إلى مرحلة التدخل والحسم.
والسؤال الأهم هنا هو لماذا اختارت السلطات المراقبة أولاً؟
هل كانت تريد تحديد حجم السوق وشبكاتها؟ أم معرفة مصادر الأسلحة ومساراتها؟ أم تحديد طبيعة الجهات التي تشتري هذه الاسلحة قبل تنفيذ عمليات التوقيف؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في منطقة حدودية شديدة الحساسية، حيث يمكن أن تتداخل التجارة المشروعة مع التهريب، وحيث يصبح السلاح سلعة ذات أبعاد أمنية تتجاوز مجرد البيع والشراء.
من يشتري السلاح؟
ربما يكون هذا هو الجزء الأقل بروزا في الملف حتى الآن ولكنه هو الأكثر أهمية بالنسبة للتحقيق.
فالكشف عن البائعين لا يكفي إذا كانت الأجهزة الأمنية تسعى إلى تفكيك السوق من جذورها.
من هم المشترون؟
هل هم أفراد يبحثون عن أسلحة للاستخدام الشخصي؟ أم مجموعات قبلية أو شبكات تهريب؟ أم جهات منظمة ذات احتياجات محددة؟ أم منظمات ارهابية مرتبطة بالتنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل ، ام تشكيلات عسكرية سرية تنشط في فضاء الساحل المضطرب ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكشف أن ظاهرة بيع السلاح ليست مجرد نقاط متناثرة، وإنما سوق لها موردون وموزعون ومشترون ومسارات محددة.
وتفيد المعلومات المتوفرة بأن حادثة الشحنة المرصودة شكلت نقطة تحول دفعت السلطات إلى التحرك ووضع حد لظاهرة انتشار نقاط بيع السلاح، بعد مرحلة من المتابعة الأمنية.
لكن ذلك يطرح سؤالاً آخر: هل كانت الشحنة المضبوطة هي الهدف، أم أنها كشفت سوقاً أوسع؟
17 موقوفاً.. و ملف آخر في المشهد
في موازاة الملف الأول، تشير المعلومات المؤكدة إلى توقيف 17 شخصاً لدى كتبية الدرك الوطني في النعمة أغلبهم تم توقيفه في إطار قضية أخرى تتعلق بحيازة ذخيرة وقطع من الأسلحة يشتبه في إعدادها للمتاجرة بها على الحدود مع مالي، خصوصاً في محيط باسكنو.
وتؤكد المعطيات المتاحة أن هؤلاء لا توجد، حتى الآن، معلومات معلنة تثبت ارتباطهم بالملف الأول.
لكن تزامن القضيتين في منطقة واحدة وفي ظرف أمني واحد يفرض على التحقيقات الرسمية تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بمسارين منفصلين تماماً، أم أن هناك تقاطعات قد تظهر لاحقاً بينهما.
ثلاثة أسئلة.. والسؤال الرابع أخطر!!
بعيداً عن الأسماء المتداولة في الاعلام حاليا وتلك المتداولة في الكواليس الأمنية والسياسية ، وبعيداً عن الروايات المتعددة التي لم تثبتها أو تتبناها جهة رسمية ، يمكننا اختصار سياقات هذا الملف الحساس الذي يلفه التكتم والغموض في سلسلة من الأسئلة تطرح نفسها بالحاح ، وتنظر اجابات قد تقود لخفايا ومآلات هذا الملف الحساس ، وهي :
من أين جاءت هذه الشحنة؟
كيف وصلت إلى باسكنو؟
وما هي وجهتها الحقيقية ؟
أما السؤال الأكثر حساسية فهو ، ما الغرض من هذه الشحنة ؟
فمعرفة مصدر السلاح تكشف طريقه، ومعرفة وجهته تكشف المستفيد المحتمل منه، أما معرفة الغرض من الشحنة فهي التي يمكن أن تكشف حقيقة الملف كله.
هل نحن أمام تجارة سلاح غير مشروع؟ أم شبكة أوسع تعمل عبر الحدود؟ أم حركات إرهابية صارت تتاجر بالسلاح في القرى والمدن الموريتانية الكبرى رأد الضحى ؟ أم أنها مجرد عمليات شراء متفرقة لا يجمعها تنظيم واحد؟ وهل كانت الشحنة جزءاً من نشاط تجاري سري، أم أن وراءها غرضاً أمنياً لم يكشف بعد؟
حتى الآن، لا تملك «الصدى» ما يكفي للجزم بأي من هذه الفرضيات، لكن ما تكشفه الوقائع الأولية هو أن السلاح أصبح قضية أمنية قائمة بذاتها في موريتانيا خاصة في المناطق الحدودية وفي باسكنو تحديدا ، وأن انتشار نقاط البيع، وضبط شحنة جديدة، ووجود أسلحة رشاشة، وتوقيف مجموعات مختلفة، كلها معطيات تستحق تحقيقاً رسمياً يجيب عن الأسئلة الأساسية دون مواربة.
وفي مثل هذه الملفات، لا تكفي معرفة من حمل السلاح.
الأهم أن تعرف الدولة من أين جاء، ولمن كان سيصل، ولماذا كان مطلوباً أصلاً.
وهذه هي الحلقة التي لا تزال مفقودة في قصة «السلاح في باسكنو».




