الأكاديمي العراقي البارز د.كريم فرمان يكتب : المصير الواحد والدم المشترك: لماذا تقف الإمارات والسعودية في خندق لا تزعزعه العواصف؟

في مقاله الجديد، الحصري لـ«الصدى»، يقدّم الأكاديمي والمفكر العراقي البارز الدكتور كريم فرمان قراءةً فكرية رصينة تستحضر مسؤولية الكلمة في حماية المصالح العربية وصون العلاقات بين دولها. ومن هذا المنطلق، يبرز أهمية التقارب السعودي الإماراتي بوصفه ركيزةً للتعاون الخليجي والعربي، ومصلحةً استراتيجيةً تتجاوز الحسابات الظرفية والخلافات العابرة. ويحذّر، في جوهر هذه المقاربة، من خطورة الأقلام التي تتعمد تسميم العلاقات بين البلدين، سواء بدافع الاصطفاف أو طلباً للمكاسب، ومن تلك التي تُسخّر مواقفها للتأجيج وإثارة الشكوك، فتغدو أداةً لتوسيع الشروخ بدل رأبها. وبقلمه السيّال وفكره المستنير، يدعو الدكتور فرمان إلى تغليب الحكمة والحوار والمصالح المشتركة، وترسيخ ثقافة التقارب والتكامل، إدراكاً منه أن قوة العرب في تماسكهم، وأن الخلافات، مهما تعاظمت، لا ينبغي أن تتحول إلى جسور للقطيعة أو منافذ للتدخل والإضرار بمستقبل المنطقة.
في عالم السياسة، تتبدل المواقف وتتغير التحالفات وتخضع العلاقات لتقلبات المصالح، إلا أن هناك استثناءً تاريخياً فريداً يثبت يوماً بعد يوم عصيانه على التغيير؛ إنه التحالف الإماراتي السعودي. هذا التحالف الذي يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية ليصبح نموذجاً حياً للمصير المشترك والأمن القومي المترابط، وهو ما تجلى بوضوح حاسم في الاتصال الهاتفي الذي أجراه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، مع أخيه سمو الأمير فيصل بن فرحان وزير خارجية المملكة العربية السعودية.
لقد حمل هذا الاتصال رسالة سياسية وإستراتيجية شديدة الوضوح؛ حيث جددت دولة الإمارات موقفها الراسخ والثابت في إدانة الاعتداءات الحوثية الإرهابية، مؤكدة وقوفها التام مع المملكة في كل ما يتطلبه حفظ أمنها واستقرارها وصون سلامة أراضيها. لم يكن هذا الموقف مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل هو تعبير أصيل عن عقيدة سياسية راسخة تؤمن بأن الأمن القومي الخليجي والعربي كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي مساس بأمن الرياض هو مساس مباشر بأمن أبوظبي.
إن هذه الثوابت الأصيلة في السياسة الخارجية الإماراتية ليست وليدة اللحظة، ولا تتأثر بخلافات ثانوية أو تباين في وجهات النظر حول ملفات طارئة. فالإمارات، التي نهلت من حكمة القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تمضي اليوم بعطاء ورؤية سديدة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.
إن سموه يمثل قائداً يبني مواقفه الإستراتيجية على ركائز صلبة لا تزعزعها عواصف السياسة المتغيرة، واضعاً الأخوّة الخليجية وحماية المنطقة فوق كل اعتبار.
من ميادين الشرف إلى بلسمة الجراح: الدور الإنساني في اليمن
ولم يكن هذا التحالف يوماً عسكرياً بحتاً، بل كان وما زال تحالفاً من أجل الحياة والبناء. فبينما يواجه البلدان الأجندات التخريبية والميليشياوية، يسير الدور الإنساني والإغاثي للإمارات والسعودية في اليمن جنباً إلى جنب مع الجهود السياسية والعسكرية. لقد قدم البلدان نموذجاً استثنائياً في بلسمة جراح الشعب اليمني الشقيق، وضخ المليارات من المساعدات الطبية والغذائية، وإعادة إعمار البنية التحتية، وتأهيل المدارس والمستشفيات عبر “الهلال الأحمر الإماراتي” و”مركز الملك سلمان للإغاثة”، لتأكيد أن الهدف الأسمى هو استعادة أمن اليمن وازدهاره واستقراره كجزء لا يتجزأ من النسيج العربي.
التكامل الاقتصادي: عصب التحالف المستدام
وإلى جانب التنسيق الأمني والإنساني، يشكل التنسيق الاقتصادي والتنموي بين أبوظبي والرياض العصب الأساسي لاستدامة هذا التحالف ونقله نحو آفاق المستقبل. من خلال “مجلس التنسيق السعودي الإماراتي” والرؤى المشتركة (رؤية الإمارات 2031 ورؤية السعودية 2030)، يشهد البلدان تكاملاً غير مسبوق في مجالات الطاقة المتجددة، التكنولوجيا، الخدمات المالية، والبنية التحتية. هذا التعاون لا يعزز الرفاه الاقتصادي للشعبين الشقيقين فحسب، بل يضمن بناء جبهة اقتصادية واعدة وقوية قادرة على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية العالمية، ويجعل من البلدين القوة المحركة للاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط.
وتتجسد هذه الرؤية الشاملة والعميقة في مقولة شهيرة وخالدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تلخص عمق الرابطة بين البلدين حين قال:
“الإمارات والسعودية شراكة خندَق واحد، ومصير مشترك.. وعلاقاتنا راسخة وتمضي إلى الأمام بثقة وقوة نحو مستقبل واعد للمنطقة.”
هذه العبارة ليست شعاراً يُرفع، بل هي واقع عسكري وسياسي ودبلوماسي واقتصادي كُتب بالدم في ميادين الشرف، وتُرجم بتنسيق رفيع المستوى في المحافل الدولية كافة. إن التزام الإمارات بدعم المملكة في مواجهة التهديدات الحوثية هو التزام بالمبادئ والقيم والأخوّة العربية قبل أن يكون إستراتيجية سياسية.
إن محاولات المتربصين للعبث بأمن الخليج أو المراهنة على شق الصف بين أبوظبي والرياض ستبوء دائماً بالفشل؛ لأن العلاقة السعودية الإماراتية ليست تحالفاً سياسياً مؤقتاً، بل هي رابطة وجودية معمدة بالتاريخ والدم والمستقبل المشترك. ستبقى الإمارات، بغرس زايد وعزم محمد بن زايد، السند الدائم والدرع الحصين لشقيقتها المملكة العربية السعودية، وسيبقى هذا التحالف الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات، والضمانة الأساسية لاستقرار المنطقة ورخاء شعوبها.




