الأخبارمقالات و تحليلات

محمد علي الشرفاء الحمادي في كتابه «السلام يصنع التعايش».. من تحرير الوعي إلى بناء إنسانية تجمع ولا تُفرّق

معالي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي/ كاتب ومفكر إسلامي ، مدير ديوان سابق للرئيس الاماراتي الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

بقلم: محمد عبد الرحمن /

ليس السلام في الرؤية الفكرية للمفكر الإماراتي البارز علي محمد الشرفاء الحمادي مجرد هدنة بين متخاصمين، ولا عبارة دبلوماسية تُستدعى حين تستنفد الحروب قدرتها على التدمير؛ إنه مشروع لإعادة بناء الوعي الإنساني، وتحرير العلاقة بين البشر من أسر الكراهية والإقصاء، وإعادة الاعتبار إلى العدل والرحمة باعتبارهما شرطين لا يستقيم العمران الإنساني بدونهما. ومن هذا المنطلق، يكتسب عنوان كتابه «السلام يصنع التعايش» دلالته الفكرية العميقة: فالتعايش ليس مصادفة تاريخية، بل ثمرة وعي يختار أن يجعل الاختلاف مدخلاً للتعارف، لا ذريعة للصراع.

 

من إيقاف الحرب إلى تفكيك أسبابها

 

تكمن أهمية هذه الرؤية في تجاوزها المفهوم السلبي للسلام، الذي يختزله في غياب المواجهة المسلحة. فقد تصمت البنادق، بينما تظل الكراهية مشتعلة في العقول، ويستمر التمييز في المؤسسات، ويظل المختلف موضع ريبة أو إقصاء. لذلك، فإن السلام الحقيقي لا يبدأ بتوقيع الاتفاقات وحدها، وإنما بتأسيس بيئة تصون الكرامة، وتحمي الحقوق، وتتيح للإنسان أن يعيش آمناً دون أن يُجبر على التخلي عن هويته أو معتقده أو خصوصيته الثقافية.

 

وفي هذا السياق، تطرح مقاربة الشرفاء الحمادي سؤالاً يتجاوز حدود السياسة إلى جذور الأزمة الإنسانية، كيف ينظر الإنسان إلى الآخر؟ وهل يتعامل معه باعتباره شريكاً في الإنسانية، أم يختزله في انتمائه الديني أو العرقي أو الفكري؟ إن الصورة التي تتشكل في الوعي تسبق السلوك في الواقع، وحين يتحول الاختلاف إلى حكم مسبق، يصبح الإقصاء احتمالاً قائماً، وتغدو الخصومة قابلة للاشتعال عند أول اختبار.

 

القرآن الكريم واستعادة البعد الإنساني

 

يرتبط المشروع الفكري للشرفاء الحمادي بقراءة تؤكد مركزية القيم القرآنية في بناء علاقة أكثر عدلاً ورحمة بين البشر، وتدعو إلى مراجعة الفهوم التي أسهمت في تغذية التعصب أو توظيف الدين في صراعات الهوية والسياسة. والمقصود هنا ليس إلغاء الاختلاف في التفسير أو إنكار تعقيدات التاريخ، بل التمييز بين القيم الأخلاقية المؤسسة وبين الممارسات البشرية التي قد تنتسب إلى الدين، بينما تناقض مقتضيات العدل والرحمة وصيانة الإنسان.

 

فالخطر لا يكمن في اختلاف المعتقدات بحد ذاته، وإنما في تحويلها إلى أدوات لنزع الشرعية الإنسانية عن المختلف. وحين تُستعمل المقدسات لتبرير الكراهية، تصبح مراجعة الخطاب الديني مسؤولية معرفية وأخلاقية، لا ترفاً فكرياً. ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى فهم يردّ الاعتبار إلى التعارف والتعاون، ويقاوم تحويل الإيمان إلى جدار يفصل البشر بدلاً من أن يهذب علاقتهم بعضهم ببعض.

 

التعايش يحتاج إلى عدالة لا إلى مجاملات

 

غير أن السلام لا يُبنى بالمواعظ وحدها؛ فالخطاب الذي يدعو إلى التسامح يفقد قوته حين يتجاهل المظالم، أو يطلب من الضحية التعايش مع انتهاك حقوقها دون إنصاف. ولذلك، فإن القيمة العملية لأي مشروع للسلام تُقاس بقدرته على الربط بين الأخلاق والعدالة، وبين الاعتراف بالآخر وضمان حقوقه، وبين الحوار وإزالة الأسباب التي تجعل الصراع متجدداً.

 

وهنا تتسع دلالة رؤية الشرفاء الحمادي لتشمل التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والسياسية؛ فهذه الجهات لا تنقل الأفكار فحسب، بل تسهم في تشكيل صورة الآخر لدى الأجيال. إما أن تزرع لغة التخوين والتصنيف، وإما أن تنشئ وعياً يميز بين نقد الفكرة واحتقار صاحبها، وبين الاختلاف المشروع والعداء الذي يستهدف الكرامة الإنسانية.

 

السلام بوصفه مشروعاً حضارياً

في عالم تتسع فيه النزاعات وتتغذى فيه الانقسامات على خطاب الكراهية والاستقطاب، تبدو الحاجة ملحّة إلى نقل السلام من دائرة الشعارات إلى منظومة من القيم والممارسات. وهذه هي المسافة التي يسعى المفكر الشرفاء من خلال مشروعه الفكري خاصة كتابه «السلام يصنع التعايش» فتحها، من قبول الآخر على مضض إلى الاعتراف بحقه في الاختلاف، ومن مجرد منع الصدام إلى بناء الثقة، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها الفكرية والاجتماعية.

 

إن قوة الفكرة لا تُقاس بجمال عباراتها وحده، بل بقدرتها على الصمود أمام أسئلة الواقع،هل تحمي الحقوق؟ هل تواجه التمييز؟ هل تمنح الحوار فرصة حقيقية؟ وهل ترفض الظلم أياً كان مرتكبه أو ضحيته؟

 

وخلاصة القول أن المشروع الفكري للمفكر الاماراتي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي يضع السلام أمام امتحانه الأصعب،وهو  أن يتحول من قيمة معلنة إلى سلوك، ومن خطاب أخلاقي إلى ثقافة عامة، ومن أمنية إنسانية إلى شروط عادلة للعيش المشترك. فالحضارات لا تُقاس فقط بما تشيده من عمران، بل أيضاً بما تحرره في الإنسان من خوف وكراهية، وبما تمنحه للآخر من اعتراف وكرامة. وحين يصبح العدل أساس العلاقة، والرحمة روحها، والاختلاف مجالاً للتعارف، لا يعود السلام مجرد غياب للحرب؛ بل يصبح القوة التي تمنع عودتها وتصنع شروط ومستزلمات التعايش الكريم بين البشر والأمم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى