الوطن العربي بين حرائق الصراعات ومخاطر المشروع الاستعماري الجديد / أحمد الدوه الشنقيطي..تحليل
تعيش المنطقة العربية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وخطورة، في ظل صراعات إقليمية متشابكة، وانقسامات سياسية متزايدة، وتدخلات خارجية تتسع رقعتها كلما ضعفت قدرة دول المنطقة على احتواء خلافاتها وإيجاد حلول مستقلة لأزماتها. وبينما تتسارع الأحداث وتتبدل التحالفات، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: أين المبادرة العربية والإسلامية التي تستطيع جمع الأطراف المتنازعة حول طاولة الحوار، وإطفاء الحرائق التي تنتشر في جسد الأمة قبل أن تتحول إلى حريق شامل؟
ان أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس مجرد تعدد الصراعات، بل غياب مشروع عربي وإسلامي متكامل لإدارتها وتسويتها، بما يحفظ سيادة الدول، ويصون مصالح الشعوب، ويحول دون استغلال الخلافات الداخلية والإقليمية لفرض أجندات خارجية.
من يطفئ الحرائق المشتعلة في البيت العربي؟
أين المبادرة العربية والإسلامية لإطفاء الحرائق قبل أن تلتهم المنطقة؟
لماذا لا نسمع بمبادرة عربية أو إسلامية جادة، ذات ثقل سياسي حقيقي، لإنهاء الصراعات التي تستنزف مقدرات المنطقة وتستنزف طاقات شعوبها؟
ولماذا لا تتقدم الدول القادرة على الوساطة بمشروع واضح لتسوية الخلافات، بدلا من الاكتفاء ببيانات التهدئة أو الاصطفاف في محاور متقابلة؟
ولعل الصراع المرتبط باليمن، والعلاقة المتوترة بين جماعة أنصار الله والمملكة العربية السعودية، يقدم مثالا واضحا على الحاجة إلى مقاربة سياسية شاملة، لا تكتفي بمعالجة مظاهر الأزمة، بل تتناول جذورها وتداعياتها على أمن اليمن والمنطقة.
فاليمن ليس جزيرة معزولة عن محيطه، كما أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج لا ينفصل عن استقرار اليمن، ولا يمكن بناء سلام دائم في المنطقة على أساس الغلبة أو استمرار التهديد المتبادل.
ومن ثم، فإن الحوار المباشر أو غير المباشر، بضمانات واضحة والتزامات متبادلة، يظل الطريق الأقل كلفة والأكثر قابلية لحماية الجميع من الانزلاق إلى مواجهات أوسع.
وإذا كانت الحروب تبدأ أحيانا بقرار من طرف، فإن اتساعها قد يصبح خارج قدرة الأطراف نفسها على التحكم في مساراتها.
وقد تدفع الشعوب ثمن مغامرات لم تخترها، وتجد دول المنطقة نفسها أمام استحقاقات أمنية واقتصادية وسياسية لم تكن مستعدة لها.
حين يفقد الوسيط قدرته على جمع الخصوم
إن نجاح الوساطة لا يتوقف على امتلاك القوة أو النفوذ وحدهما، بل يحتاج كذلك إلى الثقة، والقدرة على مخاطبة جميع الأطراف، والاستعداد للتعامل مع مخاوفها ومصالحها المشروعة دون التخلي عن المبادئ الأساسية للسلام والسيادة.
ومن هنا تبرز إشكالية الاصطفاف الإقليمي؛ فحين تنحاز دولة أو مجموعة دول إلى أحد أطراف الصراع بصورة تجعل الطرف الآخر يشكك في حيادها، فإن قدرتها على أداء دور الوسيط تتراجع، حتى لو كانت تمتلك الإمكانات السياسية والاقتصادية اللازمة.
وقد أسهمت الاصطفافات التي طبعت بعض الملفات الإقليمية في إضعاف فرص الوساطة المستقلة، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى مراجعة هذه المقاربات، والتمييز بين التحالفات السياسية التي تختارها الدول وبين المسؤولية الجماعية عن منع الحروب وتسوية النزاعات.
إن المطلوب ليس مطالبة الدول بالتخلي عن مصالحها أو علاقاتها، وإنما إدراك أن المصلحة الاستراتيجية بعيدة المدى تقتضي أحيانا تجاوز الحسابات الآنية، وفتح قنوات اتصال مع الخصوم، والبحث عن تسويات تحفظ الأمن المتبادل وتمنع تحول الخلافات إلى صراعات مفتوحة.
فلا يجوز أن تتحول العلاقات العربية إلى شبكة من المحاور المتنافسة، بحيث يصبح كل خلاف فرصة لتعميق الانقسام، وكل أزمة مناسبة لتوسيع دائرة الخصومة، بينما تتراجع فرص بناء نظام إقليمي قادر على حماية مصالح شعوبه.
المشروع الاستعماري الجديد: الهيمنة بأدوات مختلفة
لقد عرفت المنطقة العربية، خلال القرون الماضية، أشكالا متعددة من الاستعمار المباشر والاحتلال والوصاية الأجنبية.
ودفعت شعوبها أثمانا باهظة من حريتها وثرواتها ووحدتها، قبل أن تنال دولها استقلالها السياسي.
لكن الاستقلال، في معناه الحقيقي، لا يقتصر على رفع الأعلام الوطنية أو الاعتراف الدولي بالحدود والسيادة.
فالاستقلال يحتاج إلى قرار سياسي مستقل، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات قوية، وتماسك اجتماعي، وعلاقات خارجية متوازنة لا تجعل إرادة الدولة رهينة لإملاءات القوى الكبرى.
وفي عالم تتزايد فيه أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، وتتشابك فيه المصالح الاستراتيجية، تبرز مخاوف مشروعة من عودة أشكال الهيمنة الخارجية، لا بالضرورة عبر الاحتلال التقليدي، بل من خلال استغلال الأزمات الداخلية، وفرض التبعية الاقتصادية والأمنية، والتدخل في القرارات السيادية، ودعم ترتيبات سياسية تخدم مصالح القوى المتدخلة.
ولا يعني ذلك أن كل علاقة مع قوة دولية هي استعمار، أو أن كل خلاف إقليمي تقف وراءه جهة خارجية؛ فهذه قراءة تبسيطية لا تساعد على فهم الواقع.
لكن التجارب التاريخية تثبت أن القوى الكبرى قد تستثمر في الانقسامات القائمة، وأن الفراغ الاستراتيجي الذي تتركه الدول الضعيفة أو المنقسمة نادرا ما يبقى بلا منافسين.
ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في أطماع قوة بعينها، بل في غياب القدرة العربية المشتركة على تحديد المصالح، ورسم الأولويات، والتفاوض من موقع القوة، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
إسرائيل والولايات المتحدة وتنافس القوى الإقليمية
لا يمكن قراءة الواقع العربي بمعزل عن السياسات الإسرائيلية، وما تثيره الحروب والاحتلال والتوسع الاستيطاني، والاعتداءات المتكررة من مخاوف على مستقبل القضية المركزية الفلسطينية وأمن دول المنطقة.
كما أن الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، بما يمتلكه من حضور عسكري ونفوذ سياسي واقتصادي، يطرح أسئلة متواصلة حول حدود الشراكة وحدود الهيمنة، وحول قدرة الدول العربية على اتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية، لا وفق حسابات الآخرين.
وفي المقابل، فإن التنافس بين القوى الإقليمية، وما يصاحبه أحيانا من تدخلات مباشرة أو غير مباشرة في أزمات الدول العربية، يزيد المشهد تعقيدا.
فكلما ضعفت الدولة الوطنية، واتسعت الانقسامات الداخلية، ازدادت فرص الآخرين في توسيع نفوذهم واستثمار الأزمات لتحقيق مكاسب استراتيجية.
إن مواجهة هذه المخاطر لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بتبديل تبعية بأخرى، ولا بالدخول في محاور جديدة تعيد إنتاج المشكلة نفسها.
وإنما ببناء موقف عربي مستقل، يقوم على احترام السيادة، ورفض الاحتلال والتدخل غير المشروع، وتسوية النزاعات بالحوار، وإقامة علاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية.
فليس من مصلحة العرب أن يتحولوا إلى أدوات في صراعات الآخرين، كما ليس من الحكمة أن يتركوا خلافاتهم الداخلية تتحول إلى مداخل دائمة للتدخل الخارجي.
هل نخشى عودة الاستعمار المباشر؟
قد يبدو الحديث عن عودة الاستعمار المباشر بعيدا عن واقع القرن الحادي والعشرين، لكن التجارب المعاصرة تذكرنا بأن سيادة الدول قد تتعرض لانتهاكات جسيمة، وأن الحروب والتدخلات العسكرية والأزمات السياسية قد تفتح الباب أمام فرض وقائع جديدة على الشعوب.
ان اختطاف رؤساء و مسؤولين أو استهدافهم خارج الأطر القانونية، وفرض ترتيبات سياسية بالقوة، والتدخل في تشكيل السلطات الوطنية، كلها ممارسات تثير أسئلة خطيرة حول مستقبل النظام الدولي، ومبدأ المساواة بين الدول، واحترام القانون الدولي.
ولا يكفي أن تدين دولة عربية مثل هذه الممارسات حين تستهدف خصومها، ثم تصمت عنها حين تطال دولة أخرى؛ فالمبادئ التي لا تطبق إلا وفق هوية الطرف المستهدف تتحول إلى أدوات سياسية، وتفقد قدرتها على حماية الجميع.
إن أمن الدول العربية لا يتحقق بتجزئة السيادة إلى سيادة مقبولة وأخرى قابلة للانتهاك، ولا بتبرير التدخل حين يخدم حليفا، ورفضه حين يستهدف خصما.
بل يتحقق بإقامة منظومة إقليمية تجعل احترام استقلال الدول قاعدة ثابتة، وتوفر آليات جماعية لمنع الاعتداءات وتسوية الأزمات.
المصالحة العربية ليست ترفا سياسيا
أمام هذا المشهد، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار للدبلوماسية العربية والإسلامية، لا باعتبارها نشاطا بروتوكوليا، بل أداة استراتيجية لحماية الأمن الجماعي للامة.
ويمكن أن تبدأ الخطوة الأولى بإطلاق مبادرة عربية وإسلامية مستقلة، تتبناها مجموعة من الدول التي تحظى بقدر مقبول من الثقة لدى الأطراف المتنازعة، وتلتزم منذ البداية بعدم تحويل الوساطة إلى وسيلة لفرض شروط طرف على آخر.
وينبغي أن تقوم هذه المبادرة على مسارات متوازية:
أولا: فتح قنوات حوار جادة لتسوية الصراعات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة اليمنية، مع ضمان أمن دول الجوار، واحترام سيادة اليمن، ومعالجة الأسباب السياسية والإنسانية للنزاع.
ثانيا: إنشاء آلية عربية وإسلامية دائمة للوساطة والإنذار المبكر، تتولى رصد بؤر التوتر، والتدخل الدبلوماسي قبل تحول الخلافات إلى مواجهات عسكرية واسعة.
ثالثا، إعادة بناء الثقة بين الدول العربية، وتجنب السياسات التي تعمق الاستقطاب أو تحول الخلافات السياسية إلى قطيعة طويلة الأمد.
رابعا: تطوير التعاون الاقتصادي والأمني، وتقليل الاعتماد على الخارج في المجالات الحيوية، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي، وبناء قدرات دفاعية تحمي السيادة دون الانجرار إلى سباقات استنزاف لا تنتهي.
خامسا: توحيد المواقف تجاه الاحتلال الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، والدفاع عن القانون الدولي وحقوق الشعوب، بما يمنع ازدواجية المعايير ويعزز مصداقية الموقف العربي.
سادسا: وضع قواعد واضحة تمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتضمن أن تكون التسويات السياسية ثمرة حوار وطني حقيقي، لا نتيجة إملاءات خارجية أو صفقات تتجاهل إرادة الشعوب.
من إطفاء الحرائق إلى بناء البيت العربي
إن المنطقة العربية لا ينقصها التاريخ المشترك، ولا الروابط الدينية والثقافية، ولا الإمكانات البشرية والاقتصادية التي تؤهلها لبناء نظام إقليمي أكثر استقرارا.
لكن هذه المقومات تظل محدودة الأثر ما لم تتحول إلى إرادة سياسية مشتركة، تتقدم فيها المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
وإذا كانت بعض الدول العربية قد وجدت نفسها، بفعل تحالفاتها أو حساباتها الأمنية، أقرب إلى طرف من أطراف الصراعات، فإن ذلك لا يعفيها من مسؤوليتها في البحث عن مخارج سياسية، ولا يمنعها من مراجعة مواقفها عندما يتبين أن استمرار الحرب يهدد المنطقة جمعاء.
فالوساطة ليست مكافأة تمنح للحليف، ولا تنازلا يقدم للخصم، بل مسؤولية تفرضها مخاطر الانفجار الإقليمي.
كما أن الدعوة إلى الحوار لا تعني مساواة جميع الأطراف في المسؤولية عن كل أزمة، وإنما تعني البحث عن تسويات واقعية توقف النزيف وتحمي المدنيين وتحمي المنشآت الاقتصادية وتفتح الطريق أمام حلول عادلة ومستدامة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تستيقظ المنطقة على اتساع رقعة الحروب، وتراجع قدرة دولها على التحكم في مصائرها، بينما تنشغل نخبها بتبادل الاتهامات، وتغرق حكوماتها في حسابات قصيرة الأجل، وتجد القوى الخارجية فرصا متزايدة لتوسيع نفوذها.
وعندها لن يكون السؤال: من انتصر في هذه الحرب أو تلك؟ بل: ماذا بقي من قدرة المنطقة على حماية استقلالها، وصيانة ثرواتها، وتحديد مستقبل شعوبها؟
إن إطفاء الحرائق العربية لم يعد خيارا سياسيا مؤجلا، بل ضرورة استراتيجية.
فكل أزمة لا تجد طريقها إلى التسوية تتحول إلى ثغرة في جدار الأمن العربي، وكل انقسام يستمر بلا أفق يفتح نافذة جديدة أمام التدخلات الخارجية.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد الدعوة إلى المصالحة، بل إطلاق مشروع عربي وإسلامي جاد لتسوية النزاعات، واستعادة الثقة، وتحصين السيادة، وبناء علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.
فهل تمتلك الدول العربية والإسلامية الشجاعة السياسية للبدء بإطفاء الحرائق المشتعلة في بيتها، قبل أن تمتد ألسنة اللهب إلى ما تبقى من استقرار المنطقة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحكومات والنخب والشعوب، قبل أن تفرض الأحداث إجاباتها القاسية على الجميع.
تولانا الله بحفظه ولطفه




