الإعلام الهادف بين رسالة الإصلاح ومستنقع التفاهة/ بقلم تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِ الْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ
الإعلام الهادف بين رسالة الإصلاح ومستنقع التفاهة: معركة الوعي وحماية الهوية الإسلامية

المصدر : الكابت/
لم يعد الإعلام في عصرنا الحاضر مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل العقول، وصناعة القناعات، وتوجيه السلوك، ورسم ملامح الثقافة السائدة في المجتمعات، فالكلمة التي تُبث عبر الشاشات، والصورة التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والحوار الذي يتابعه الملايين، كلها قادرة على بناء الوعي أو هدم القيم، وغرس الفضيلة أو الترويج للرذيلة، وحماية هوية الأمة أو الإسهام في إضعافها.
ومن هنا تبرز أهمية الإعلام الهادف بوصفه رسالة أخلاقية ومسؤولية اجتماعية، لا مجرد وسيلة للترفيه وتحقيق الأرباح، فالإعلام الحقيقي هو الذي يوازن بين حرية التعبير واحترام القيم، وبين حق الجمهور في المعرفة وواجب الحفاظ على الهوية الدينية والأخلاقية للمجتمع.
لكن المتأمل في المشهد الإعلامي المعاصر يلاحظ أن بعض القنوات الفضائية والمنصات الرقمية باتت تمنح مساحة واسعة للحوارات الهابطة، والمشاهد الخادشة للحياء، والمحتويات القائمة على الابتذال والإثارة الرخيصة، حتى أصبحت التفاهة في بعض الأحيان وسيلة للشهرة، بينما تتراجع البرامج الفكرية والثقافية التي تسهم في بناء الإنسان ورفع مستوى وعيه.
وهنا يبرز السؤال: هل تحول الإعلام عند بعض القائمين عليه من وسيلة لبناء الإنسان إلى أداة لاستنزاف وعيه؟ وهل أصبح عدد المشاهدات أهم من القيم التي ينبغي أن يحافظ عليها المجتمع؟
أولًا: الإعلام أمانة ومسؤولية
لقد وضع الإسلام أسسًا واضحة للتعامل مع الكلمة، وجعل الإنسان مسؤولًا عما يصدر عنه من أقوال وأفعال، يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ]ق: 18[، فإذا كانت الكلمة مسؤولية في حياة الإنسان، فإن مسؤولية الإعلامي أعظم حين تصل رسالته إلى آلاف الناس أو ملايينهم، فقد تكون كلمة صادقة سببًا في إصلاح إنسان، وقد يكون محتوى مبتذل سببًا في استسهال سلوكيات كان المجتمع يستنكرها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ))، متفق عليه، وهذا الحديث يضع معيارًا أخلاقيًا واضحًا للكلمة؛ فالإعلام ليس مطالبًا بالصمت عن الأخطاء أو الابتعاد عن القضايا الحساسة، بل مطالب بمعالجتها بموضوعية ومسؤولية، بعيدًا عن الإساءة والابتذال والتشهير.
إن الإعلام الهادف هو الذي يجمع بين الصدق والجرأة واحترام كرامة الإنسان، ويفتح أبواب الحوار الراقي، ويكشف الأخطاء دون أن يحولها إلى مادة للإثارة والسخرية.
ثانيًا: حين تصبح التفاهة طريقًا إلى الشهرة
من مظاهر الخلل الإعلامي أن تتحول الإثارة إلى غاية، والفضيحة إلى وسيلة للانتشار، والجدل المفتعل إلى بديل عن الحوار الرصين، بعض البرامج تستضيف أشخاصًا بسبب قدرتهم على إثارة الجدل، لا لما يمتلكونه من علم أو خبرة، وتتناول قضايا خاصة وحساسة بأساليب تستهدف جذب المشاهدات أكثر من معالجة المشكلات، كما تحولت بعض الخلافات الشخصية إلى معارك إعلامية، وأصبحت خصوصيات الناس مادة للتداول والتشهير.
وفي مواقع التواصل الاجتماعي، تتضاعف هذه الظاهرة بسبب سهولة النشر وسرعة الانتشار، فيجد المحتوى السطحي طريقه إلى ملايين المتابعين، بينما لا يحظى المحتوى العلمي والثقافي دائمًا بالاهتمام نفسه.
ولا تكمن المشكلة في الترفيه أو الضحك المباح، وإنما في تحولهما إلى غطاء للإسفاف، أو وسيلة لنشر الألفاظ البذيئة، والاستهزاء بالقيم، وتقديم السلوكيات المنافية للحياء على أنها مظاهر للتحرر والتقدم، وقد وصف الله تعالى من صفات المؤمنين الإعراض عن اللغو، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ]المؤمنون: 3[، ومن هنا، فإن المؤسسات الإعلامية مطالبة بمراجعة محتواها، وألا تجعل أوقات الناس وعقولهم رهينة لمواد تستهلك اهتمامهم دون أن تقدم لهم معرفة أو قيمة نافعة.
ثالثًا: التطبيع مع الرذيلة وطمس الهوية الإسلامية
إن التغيرات الأخلاقية لا تحدث دائمًا بصورة مفاجئة، بل قد تنشأ تدريجيًا بفعل التكرار والتعويد، حتى يصبح ما كان مرفوضًا مألوفًا، وما كان مستهجنًا موضوعًا للتسلية والضحك، فحين تتكرر المشاهد الخادشة للحياء، وتُطرح العلاقات المحرمة بأسلوب يستخف بعواقبها، ويُستهزأ بالثوابت الدينية أو يُصوَّر الالتزام الأخلاقي على أنه تخلف، فإن ذلك قد يسهم في إضعاف المعايير الأخلاقية لدى بعض المتلقين، ولا سيما الناشئة والشباب، وقد حذّر القرآن الكريم من إشاعة الفاحشة في المجتمع، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ]النور: 19[، وهذه الآية تذكّر بخطورة الترويج للفاحشة وتزيينها للناس، وهي مسؤولية ينبغي أن يستحضرها كل من يملك منبرًا إعلاميًا مؤثرًا.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نتهم جميع وسائل الإعلام بوجود مخططات خفية، أو نجزم بأن كل محتوى مخالف لقيمنا يقف وراءه قصد متعمد لطمس الهوية الإسلامية، فقد يكون الدافع وراء بعض المحتويات هو الربح أو الشهرة أو تقليد أنماط ثقافية وافدة دون إدراك آثارها، لكن عدم ثبوت النية المتعمدة لا يعني تجاهل النتائج؛ فقد يسهم المحتوى الضار، بقصد أو بغير قصد، في إضعاف الحياء وتهميش القيم الدينية والأخلاقية، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ]الإسراء: 36[.
إن حماية الهوية الإسلامية لا تعني الانغلاق عن العالم أو رفض التقدم، بل تعني الانفتاح الواعي الذي يستفيد من العلوم والخبرات الإنسانية، دون التفريط بالثوابت الدينية والأخلاقية.
رابعًا: الحياء قيمة إيمانية لا عائق حضاري
من الأخطاء الشائعة تصوير الحياء على أنه ضعف، أو اعتبار المحافظة على الأخلاق عائقًا أمام مواكبة العصر، والحقيقة أن الحياء قيمة تحفظ كرامة الإنسان، وتضبط سلوكه، وتصون المجتمع من الابتذال، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ))، متفق عليه، فالحياء لا يمنع من مناقشة المشكلات الاجتماعية أو تناول القضايا الحساسة، لكنه يقتضي معالجتها باحترام ومسؤولية، دون تحويل التجاوزات الأخلاقية إلى مشاهد استعراضية تستهدف الإثارة.
كما أن مواجهة الإعلام الهابط لا تكون بالسب والتشهير والاعتداء على كرامة الآخرين، بل بالحكمة والحجة والقدوة الحسنة، كما دعا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ]النحل: 125[، ومن واجب الإعلام الهادف ألا يكتفي بانتقاد المحتوى الرديء، بل أن يقدم بديلًا راقيًا وممتعًا يثبت أن الالتزام الأخلاقي لا يتعارض مع النجاح والتأثير.
خامسًا: من المسؤول عن إصلاح المشهد الإعلامي؟
إن إصلاح الإعلام مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والجهات التنظيمية والجمهور.
فالمؤسسات الإعلامية مطالبة بوضع معايير مهنية وأخلاقية واضحة، وتقديم برامج ثقافية وتربوية هادفة، وعدم استغلال خصوصيات الناس أو مشكلاتهم لتحقيق الأرباح.
والأسرة مطالبة بمتابعة ما يشاهده الأبناء، وتعليمهم التمييز بين المحتوى النافع والضار، بالحوار والتوجيه والقدوة الحسنة، لا بالمنع وحده.
والمؤسسات التعليمية والدينية تستطيع تعزيز الوعي الإعلامي، وتحصين الشباب من التضليل، وتقديم خطاب ديني واعٍ يجمع بين أصالة المبادئ وفهم تحديات العصر.
أما الجمهور فليس متلقيًا سلبيًا؛ إذ تسهم المشاهدات والتعليقات وإعادة النشر في زيادة انتشار المحتوى، ومن ثم فإن الامتناع عن ترويج المحتوى المسيء، ودعم المبادرات الجادة، يمثلان وسيلتين فعالتين للإصلاح.
كذلك تتحمل الجهات التنظيمية مسؤولية وضع ضوابط عادلة تحمي الجمهور، ولا سيما الأطفال، من المحتوى الضار، مع احترام حرية التعبير ومنع التعسف في استخدامها.
سادسًا: الإعلام الهادف هو البديل الحقيقي
لا يكفي أن ننتقد البرامج الهابطة، بل ينبغي أن نقدم بدائل قادرة على جذب الجمهور والتأثير فيه، فالإعلام الهادف ليس إعلامًا جامدًا أو مملًا، وإنما يستطيع تقديم أعمال درامية راقية، وبرامج حوارية جادة، ومحتوى ترفيهي ممتع، وقصص نجاح ملهمة، ومواد علمية مبسطة، وحوارات تناقش مشكلات الشباب والأسرة بجرأة وموضوعية.
كما ينبغي منح العلماء والمثقفين والمبدعين وأصحاب التجارب الناجحة مساحة تليق بدورهم، بدلًا من احتكار المشهد لأصحاب الإثارة والضجيج.
إن المجتمع لا يحتاج إلى إعلام يرفض كل جديد، ولا إلى إعلام يستهين بثوابته، بل إلى إعلام يحترم العقل، ويحفظ الكرامة، ويعالج المشكلات، ويصون الهوية، ويجمع بين المهنية والأخلاق.
الخاتمة: الكلمة أمانة والوعي مسؤولية
إن المعركة الحقيقية في ميدان الإعلام ليست بين الماضي والمستقبل، ولا بين الانفتاح والانغلاق، بل بين إعلام يبني الإنسان وإعلام يستنزف وعيه، وبين خطاب يحترم العقل والكرامة وخطاب يتاجر بالغرائز ويستهين بالقيم.
وليس من الإنصاف تعميم الحكم على جميع القنوات والمنصات، ففيها جهود جادة تستحق الدعم والتقدير، غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب مظاهر الخلل التي تستوجب النقد والإصلاح.
إن الحفاظ على الهوية الإسلامية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالوعي والعلم والعمل، وبإدراك مسؤولية الكلمة والصورة والموقف، كما وجه بذلك القرآن الكريم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ]التوبة: 105[، فليتقِ الله كل من يحمل قلمًا، أو يقف أمام كاميرا، أو يدير منصة إعلامية، وليتذكر أن الشهرة زائلة، وأن الأرباح لا تبرر التفريط بالقيم، وأن الكلمة قد تكون بابًا للإصلاح كما قد تكون بابًا للإفساد.
فالأمم لا تخسر هويتها دفعة واحدة، بل قد تبدأ خسارتها حين تعتاد ما كانت ترفضه، وتستهين بقيمها، حتى يصبح المنكر مألوفًا والفضيلة غريبة.
وإذا كان الإعلام قادرًا على تشكيل الوعي، فإنه قادر أيضًا على استعادته، متى تضافرت جهود المخلصين، وأُدرك أن حماية الأخلاق والهوية مسؤولية مشتركة، وأن بناء الإنسان يظل أعظم استثمار لمستقبل الأمة. والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.




