الأخبارمقالات و تحليلات

 استطلاعات قياس رأي عام أم إعادة هندسة الوعي العام؟/ابراهيم ابراش

ا د. إبراهيم ابراش/ وزير فلسطيني سابق

المصدر : الكاتب /

في كتابي «مناهج البحث في العلوم الاجتماعية»، استعنت بكتاب «المتلاعبون بالعقول» (Mind Managers) لعالم الاجتماع الأمريكي هربرت شيلر (Herbert Schiller)، والذي يشرح فيه المؤلف كيف تقوم القوى المهيمنة بتوجيه الرأي العام وصناعته عبر وسائل الإعلام، والإعلانات، واستطلاعات الرأي، وحتى من خلال الأفلام والمسلسلات المقدمة للأطفال.

وما لفت انتباهي أكثر في الكتاب، هو تشكيكه في استطلاعات الرأي؛ إذ يرى أنه لكي نتأكد من مصداقية أي استطلاع، لا بد لنا من البحث عن الجهات المموِّلة لمراكز استطلاعات الرأي.

وإذ أعود إلى كتابي -الذي درَّسته لطلبة الدراسات العليا في جامعات مغربية وفلسطينية- فإنني أرى تضليلاً كبيراً تقوم به مراكز يُفترض أنها بحثية في فلسطين، وتحديداً في الضفة الغربية، بنشرها استطلاعات رأي بشكل متواصل، وتأتي نتائجها متباينة في كل مرة. فإذا كان التلاعب في استطلاعات الرأي يحدث في دول كبرى يلعب فيها المموِّلون الكبار لمراكز البحث دوراً محورياً في التحكم بالنتائج، فكيف يكون الحال بالنسبة لمراكز بحث واستطلاع رأي في الواقع الفلسطيني؟! وهو واقع يفتقر إلى الشروط الأمنية، والسياسية، والمالية المستقلة. فهذه المراكز تملك مقرات وتضم موظفين، فمن يمولها إذن؟

وعندما يصدر استطلاع رأي في 14 أكتوبر 2026 يزعم بأن رجل الأعمال بشار المصري قد حصل على أعلى النسب في حال إجراء الانتخابات، متفوقاً حتى على شخصيات وأحزاب وطنية وتاريخية، فإن الواجب المنهجي يفرض علينا ربط ذلك بما قاله هربرت شيلر (ابحث عن الجهة المموِّلة) للمركز والقائمين عليه. وهنا يتوجب التساؤل: هل رُوعيت بالفعل الشروط العلمية والموضوعية لاستطلاعات الرأي من حيث: سلامة عينة البحث، وحيادية الأسئلة ووضوحها، وخبرة وموضوعية محللي الاستمارات، ومدى صدق إجابات أفراد العينة، في ظل غياب تام لأي رقابة أو أدوات تحقق مستقلة؟

ينضاف إلى ذلك اختيار توقيت إجراء الاستطلاع؛ إذ يقتنص معدّوه أوقاتاً حرجة وظروفاً عابرة للقيام به، لإيهام الرأي العام بأن هذه هي اختيارات الشعب الدائمة، في حين أن الرأي العام متقلب بطبيعته وقد يتغير بين عشية وضحاها.

إن ما سبق لا ينفي حقيقة تراجع شعبية الأحزاب التقليدية ورغبة الشارع في التغيير، ولكن ليس التغيير بأي ثمن، ولا لصالح أي جهة كانت، والتركيز على رجال أعمال قادرين على إحداث ما يسمى التعافي الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة قد يلتقي أو يتقاطع مع فكرة (الحل الاقتصادي) الإسرائيلية التي تتعامل مع الشعب الفلسطيني والقضية الوطنية كمشكلة إنسانية واقتصادية وتجريدها من بُعدها الوطني التحرري.

،Ibrahemibrach1@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى