الاكتفاء الذاتي في موريتانيا.. من الثروات المعطلة إلى الاستقلال الاقتصادي/تحليل/ أحمد الدوه
لم تعد الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحروب واضطرابات التجارة الدولية (حرب الولايات المتحدة وايران والصراع والتصعيد في الخليح)
مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت دروسًا تؤكد أن الدول التي تعتمد على الخارج في تأمين غذائها واحتياجاتها الأساسية تظل أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، أصبح من الضروري أن تعيد موريتانيا حساباتها، وأن تجعل من الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي هدفًا استراتيجيًا، بعيدًا عن الشعارات، وبالاعتماد على التخطيط السليم والإرادة السياسية الجادة وحسن إدارة الموارد.
موريتانيا.. ثروات كبيرة وإنتاج دون الإمكانات
تمتلك موريتانيا أراضي زراعية وموارد مائية
وثروة حيوانية وسمكية، فضلًا عن إمكانات واعدة في مجال الطاقة المتجددة.
ومع ذلك، لا تزال تعتمد على استيراد جانب مهم من احتياجاتها الغذائية، بما فيها الخضروات، رغم ما تتوفر عليه من إمكانات طبيعية وبشرية.
إ
ن المشكلة ليست في نقص الموارد وحده، بل في ضعف استغلالها، ومحدودية التصنيع، وصعوبات التمويل والتسويق والتخزين، والحاجة إلى سياسات تنموية تحول الإمكانات المتاحة إلى إنتاج فعلي.
فلا حرية اقتصادية حقيقية لشعب يظل غذاؤه الأساسي رهينًا للأسواق الخارجية، ولا تنمية مستدامة دون قاعدة إنتاجية وطنية قادرة على توفير فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي.
أولًا: برنامج وطني عملي للاكتفاء الذاتي
على الحكومة أن تعتمد برنامجًا وطنيًا يمتد لخمس سنوات، بأهداف معلنة وميزانية محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، على أن تكون الأولوية للسلع الغذائية التي يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة وتكلفة معقولة.
وفيما يلي مجموعة من الأهداف المقترحة، بوصفها أهدافًا أولية للنقاش والتخطيط، لا أرقامًا مبنية على خط أساس إحصائي معتمد:
1. تطوير الزراعة والإنتاج المحلي
خلال الأشهر الستة الأولى، إعداد خريطة وطنية للأراضي الصالحة للزراعة، والموارد المائية، وحجم الإنتاج والاستهلاك والواردات من المحاصيل الأساسية.
خلال السنة الأولى، إطلاق مشاريع نموذجية في شمامة ووادي نهر السنغال وفم لكليت، مع نشر المساحات المستصلحة والمساحات المزروعة فعليًا والإنتاج المحقق.
استهداف زيادة الإنتاج المحلي من الخضروات والحبوب بنسبة 10% إلى 15% سنويًا في المناطق والمشاريع المستهدفة، بعد تحديد خط الأساس والتحقق من الجدوى المائية والاقتصادية.
توفير البذور والأسمدة والمعدات الزراعية في مواعيدها، مع نشر نسبة المزارعين المستفيدين، وتكلفة الدعم لكل هكتار، وحجم المحصول الناتج.
2. تمويل المزارعين والشباب
إنشاء نافذة تمويل مخصصة للمشاريع الزراعية والحيوانية والصناعات الغذائية الصغيرة والمتوسطة، بالشراكة مع المؤسسات المالية والقطاع الخاص.
ويُقترح تمويل ما لا يقل عن 500 مشروع إنتاجي خلال السنوات الثلاث الأولى، وفق معايير معلنة لاختيار المستفيدين، مع نشر عدد المشاريع الممولة، ونسبة المشاريع التي استمرت في النشاط، وفرص العمل المستحدثة، ونسبة القروض المستردة.
ولا ينبغي أن يقاس نجاح البرنامج بعدد القروض الممنوحة فقط، بل بقدرة المشاريع على الإنتاج والاستمرار وتحقيق عائد اقتصادي.
3. تطوير الثروة الحيوانية والصيد البحري
-إنشاء أو تحديث وحدات لتجميع الألبان وتبريدها وتصنيعها في المناطق المناسبة.
-تطوير المسالخ ومرافق حفظ اللحوم وسلاسل التبريد، والحد من الخسائر بعد الإنتاج.
-دعم الأعلاف والخدمات البيطرية وفق برامج تستهدف المناطق الأكثر احتياجًا.
-تشجيع تصنيع الأسماك محليًا وتطوير تخزينها ونقلها، مع إعطاء الأولوية لخلق قيمة مضافة وفرص عمل داخل البلاد.
ويُقاس التقدم سنويًا بزيادة حجم المنتجات المصنعة محليًا، وانخفاض الفاقد، وارتفاع عدد فرص العمل المستدامة، وتحسن قدرة السوق الوطنية على تلبية الطلب.
4. إعادة تشغيل المصانع وتطوير الصناعات الغذائية
تُجرى خلال ستة أشهر مراجعة فنية ومالية للمصانع المتوقفة، لتحديد المنشآت القابلة لإعادة التشغيل، وكلفة إصلاحها، والأسواق التي يمكن أن تستوعب منتجاتها.
ثم تُعطى الأولوية للمصانع القادرة على تحويل الحبوب والخضروات والألبان واللحوم والأسماك إلى منتجات محلية تنافسية.
ويُنشر سنويًا عدد المصانع التي أعيد تشغيلها، وحجم إنتاجها، وعدد الوظائف التي وفرتها، ونسبة اعتمادها على المواد الأولية المحلية.
5. حماية المنتج الوطني دون رفع الأسعار
تطوير سياسة جمركية مرنة تحمي المنتجات الوطنية القابلة للمنافسة، بعد دراسة كلفة الإنتاج وحجم الواردات وأثر الرسوم على المستهلك.
ويجب ربط أي حماية جمركية بأهداف محددة لتحسين الجودة وخفض التكلفة وزيادة الإنتاج، ومراجعتها دوريًا، مع منع الاحتكار والمضاربة والتهريب.
فالحماية الناجحة هي التي تجعل المنتج المحلي أكثر قدرة على المنافسة، لا التي ترفع الأسعار على المواطنين أو تحمي منشآت غير منتجة إلى أجل غير محدد.
ث
انيًا: الماء والطاقة والبنية التحتية
لا يمكن تحقيق اكتفاء زراعي مستدام دون إدارة رشيدة للمياه. لذلك ينبغي تقييم مشاريع الري من حيث كلفتها وإنتاجيتها واستهلاكها للمياه، وتحديث شبكات الري، والاستفادة من الطاقة الشمسية والهوائية حيث تكون مجدية اقتصاديًا، مع حماية المياه الجوفية من الاستنزاف.
كما يتعين الاستثمار في الطرق الزراعية والمخازن ومرافق التبريد والنقل، لأن المحاصيل قد تضيع أو تتراجع قيمتها بسبب ضعف التخزين والتسويق، حتى عندما يكون الإنتاج جيدًا.
ومن المؤشرات المطلوبة:
تكلفة إنتاج الكيلوغرام من المحصول، واستهلاك المياه لكل وحدة إنتاج، ونسبة المحاصيل المفقودة بعد الحصاد، وكلفة نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق.
ثالثًا: مخزون استراتيجي للغذاء:
ينبغي إنشاء منظومة وطنية فعالة للمخزون الاستراتيجي، تشمل الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، وفق تقديرات الاستهلاك والمخاطر المحتملة.
ويُقترح اعتماد هدف أولي لبناء مخزون يغطي احتياجات محددة من السلع الأساسية لمدة ثلاثة أشهر، على أن تحدد الكميات الفعلية لكل سلعة بناءً على بيانات الاستهلاك، وقدرات التخزين، والصلاحية، والكلفة المالية.
ويجب إخضاع المخزون لنظام رقابي شفاف يحدد كميات الشراء والتخزين والتدوير، ويمنع التلف والفساد، مع إجراء اختبارات دورية لقدرة المنظومة على الاستجابة للأزمات.
رابعًا: الشفافية والمحاسبة
إن نجاح أي استراتيجية مرهون بوجود إدارة كفؤة ومؤسسات تخضع للمساءلة. ولهذا، أقترح إنشاء مرصد وطني للأمن الغذائي والاستقلال الاقتصادي، ينشر لوحة مؤشرات فصلية تتضمن:
نسبة تغطية الطلب المحلي بالإنتاج الوطني لكل سلعة أساسية.
حجم الواردات الغذائية وقيمتها المالية.
المساحات المزروعة فعليًا والإنتاجية لكل هكتار.
عدد المشاريع الممولة ونسبة استمرارها.
عدد المصانع العاملة وحجم الإنتاج المحلي.
تطور أسعار السلع الأساسية ومستوى توافرها في الأسواق.
تكلفة الدعم العمومي والنتائج المحققة مقابل كل مبلغ يُنفق.
ويجب أن تكون هذه البيانات متاحة للمواطنين والبرلمان والباحثين، وأن تخضع المشاريع الكبرى لتقييم سنوي مستقل، مع مراجعة البرامج التي لا تحقق أهدافها.
خامسًا: جدول زمني واضح للتنفيذ
يمكن توزيع البرنامج على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: من صفر إلى ستة أشهر. جمع البيانات، وتحديد خط الأساس، وحصر الأراضي والمصانع المتوقفة، وتحديد السلع ذات الأولوية، وإعداد الميزانية وخطة التنفيذ.
المرحلة الثانية: من ستة أشهر إلى سنتين. إطلاق المشاريع التجريبية، وتوفير التمويل والمدخلات الزراعية، وتأهيل منشآت التخزين والتبريد، وإعادة تشغيل المصانع ذات الجدوى الاقتصادية.
المرحلة الثالثة: من سنتين إلى خمس سنوات. توسيع المشاريع الناجحة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتطوير الصناعات التحويلية، ورفع قدرة السوق الوطنية على مواجهة اضطرابات الاستيراد.
ويُشترط في كل مرحلة نشر النتائج المحققة ومقارنتها بالأهداف المعلنة، مع تعديل السياسات بناءً على البيانات والتقييم الفعلي.
نداء إلى الحكومة
إن ما تمتلكه موريتانيا من موارد طبيعية ومائية وحيوانية وسمكية وطاقات بشرية يجعل تحقيق تقدم ملموس في الاكتفاء الذاتي هدفًا ممكنًا، لكنه لن يتحقق بمجرد إطلاق المبادرات أو تخصيص الميزانيات، بل بتحويل الموارد إلى مشاريع منتجة، والخطط إلى نتائج، والمسؤولية إلى محاسبة.
والمطلوب اليوم أن تتبنى الحكومة استراتيجية وطنية للأمن الغذائي والاستقلال الاقتصادي، تتضمن أهدافًا قابلة للقياس، وآجالًا محددة، وتمويلًا واضحًا، ومؤشرات معلنة لتقييم الأداء.
إن الهدف ليس الانغلاق عن العالم، ولا الاستغناء عن كل الواردات، وإنما بناء اقتصاد قادر على تأمين احتياجاته الأساسية، وتقليل تبعيته للخارج، وتوفير فرص العمل، وحماية المواطنين من تقلبات الأسواق والأزمات الدولية.
فالأمم لا تُبنى بالثروات وحدها، بل بحسن إدارتها، ولا تصون استقلالها بالاعتماد على الآخرين، بل بقدرتها على الإنتاج والعمل والتخطيط.
فهل تجعل الحكومة الموريتانية الاكتفاء الذاتي مشروعًا وطنيًا قابلًا للقياس والمحاسبة، بدل أن يبقى شعارًا يتكرر عند كل أزمة؟




