الأخبارمقالات و تحليلات

شروخ في الهيكل .. هل تقتلع رياح الاحتجاجات الطلابية جذور الرأسمالية العجوز؟ / كتب : ا.د كريم فرمان 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

في مقاله الجديد الخاص #بالصدى يقدم الأستاذ الدكتور كريم فرمان، الكاتب والأكاديمي العراقي وأستاذ القانون والنظم السياسية بجامعة الأخوين سابقاً، في مقاله «شروخ في الهيكل.. هل تقتلع رياح الاحتجاجات الطلابية جذور الرأسمالية العجوز؟» قراءة نقدية تتجاوز مشاهد الاحتجاجات إلى مساءلة الأسس الاقتصادية والاجتماعية للنموذج الليبرالي الغربي. وبمقارنة تاريخية بين احتجاجات مايو 1968 والتحركات الطلابية الراهنة، يربط الكاتب تصاعد الغضب الشبابي بأعباء الديون وتراجع القدرة الشرائية وكلفة التعليم والخدمات الأساسية، مستعيناً بأمثلة وأفكار من الفكر الغربي لتدعيم أطروحته. وتكمن أهمية المقال في طرحه سؤالاً يتجاوز حدود الشارع الأوروبي إلى مستقبل العلاقة بين الدولة والسوق وحقوق الإنسان، مقدماً مفهوم «الدولة الرحيمة» بوصفه تصوراً يوازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.

تشهد الشوارع الأوروبية، ولا سيما في فرنسا وبلجيكا، ايطاليا ، إسبانيا والبانيا موجة عارمة من الاحتجاجات الطلابية العنيفة التي امتدت شرارتها لتطال مدارس وجامعات في دول أوروبية أخرى. المشهد لم يعد مجرد حراك مطلبي آني يسعى وراء تحسين شروط السكن أو خفض رسوم التسجيل؛ بل تحول إلى انتفاضة هيكلية عابرة للحدود تعبر عن حالة رفض راديكالي لنموذج الرأسمالية الليبرالية. هذا النظام الذي تربع على عرش العالم لعقود، بات يعاني اليوم من تشققات قيمية عميقة وعجز بنيوي واضح عن تقديم الخدمات الأساسية بجودة تليق بكرامة الإنسان الإنسانية، ليدفع بالمواطن الغربي نحو شعور طاغٍ بهشاشة الأسس التي يقوم عليها مجتمعه.

 

جغرافيا الغضب: مقارنة تاريخية بين ديغول وماكرون

حينما تشتعل باريس وبروكسل،وروما ومدريد يعود بالذاكرة تلقائياً إلى ربيع عام 1968. لكن شتان بين الأمس واليوم؛ فالفرق بين احتجاجات الطلبة في عهد شارل ديغول وعهد إيمانويل ماكرون بون شاسع يعكس عمق المأزق:

 

وجه المقارنة احتجاجات عهد ديغول (مايو 1968) احتجاجات عهد ماكرون (2026)
طبيعة المنطلقات ثورة فكرية، أيديولوجية، وثقافية تطالب بالتحرر وتغيير نمط المجتمع والنظام الأبوي القديم. ثورة وجودية ضد التقشف، تآكل القدرة الشرائية، والخصخصة الجائرة لقطاع التعليم.
البيئة الاقتصادية تزامنت مع “الثلاثين المجيدة” (دولة الرفاه، نمو اقتصادي عالي، وظائف مضمونة). تأتي في ظل أزمة ديون خانقة، ركود اقتصادي، ومستقبل غامض للجيل الجديد.
السلوك الاحتجاجي اعتصامات، وبناء متاريس، ونقاشات فكرية وفلسفية في الساحات والجامعات. مواجهات عنيفة، وحرق للمدارس، ونهب للمحال التجارية كتعابير يائسة ومادية عن رفض النظام برمتّه.

 

إن تحول الاحتجاجات اليوم إلى عمليات حرق ونهب ليس مجرد شغب عابر، بل هو إعلان صريح من “الجيل زد” (Generation Z) عن كفرهم التام بقوانين السوق التي سلبتهم الأمان الاجتماعي وتحولت في نظرهم إلى منظومة قمعية لا تحمي سوى كبار الأثرياء.

 

السؤال المحرج: من أمريكا إلى قلعة الرأسمالية

لم تعد قلاع الرأسمالية الكبرى في مأمن، فالحراك الطلابي في أوروبا والذي بدا يستقطب الى جانبه شرائح اجتماعية وطبقية اخرى يحمل بذور الامتداد الحتمي إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
يتجلى هذا العبث في المشهد الشهير الذي أحرج فيه طالب جامعي أمريكي مذيعة إحدى القنوات الإخبارية بسؤال وجودي مدوٍ:

“لماذا يتوجب عليّ أن أقع تحت وطأة قرض بنكي يثقل كاهلي لتغطية نفقات دراستي الجامعية، وأقضي نصف عمري في العمل الشاق لتسديده في دولة تتبجح بأنها أقوى اقتصاد في العالم؟ بينما في المقابل، هناك دولة بحجم جزيرة صغيرة في المحيط الهندي تدعى موريشيوس، تقدم خدمة التعليم المجاني الكامل لأبنائها من رياض الأطفال وحتى الدكتوراه، بالإضافة إلى العلاج والدواء بالمجان، وهي بلد يعتمد في عيشه على قطاع السياحة فقط؟!”ومع ذلك بلاد مزدهرة وبلا ديون .

هذا التناقض الصارخ يعري زيف الخطاب الرأسمالي؛ حيث تتحول الحقوق الإنسانية كالتعليم والصحة إلى سلع تجارية خاضعة للمضاربة والربح، مما يولد جيلاً كاملاً من التكنوقراط والشباب المكبلين بالديون قبل حتى أن يبدأوا حياتهم العملية.

 

أرقام مخيفة: شبح الديون الداخلية وانفجار الفقاعة

*تعيش الدول الغربية الكبرى على برميل بارود اقتصادي موقوت، متمثل في حجم الدين الداخلي العام الذي وصل إلى أرقام مرعبة وغير مسبوقة خلال عام 2026:

وفقاً لأحدث البيانات الرسمية المنشورة في سبتمبر 2026، بلغ الدين العام في فرنسا رقماً قياسياً غير مسبوق:

* حجم الدين الإجمالي: أي ما يعادل تقريباً 3.6 تريليون يورو.

* النسبة من الناتج المحلي: وصل هذا الدين إلى ما نسبته 119.0% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

* معدل النمو الأخير: قفز الدين بمقدار 59.6 مليار يورو خلال الربع الثاني من عام 2026 وحده.
المصدر المعتمد:

هذه الأرقام صادرة رسمياً عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي (INSEE) (الجهة الحكومية الرسمية المسؤولة عن جمع ونشر الإحصاءات الاقتصادية في فرنسا)، ونُشرت التحديثات في تقريره الصادر بتاريخ 29 سبتمبر 2026.

* الولايات المتحدة الأمريكية: تجاوز الدين العام الفيدرالي حاجز 40 تريليون دولار، مع عجز ميزانية سنوي يقترب من 1.99 تريليون دولار، وتكلفة فوائد دين يومية بلغت 3 مليارات دولار! وبات من الواضح أنه لولا قدرة واشنطن الفريدة على طباعة الدولار وتصدير تضخمها للعالم، لتهدمت أركان هذا الاقتصاد وانهار بالكامل.

* ألمانيا: على الرغم من صرامة “كبح الدين” التاريخية، قفز الدين العام الألماني إلى رقم قياسي جديد متجاوزاً 2.75 تريليون يورو، مع اضطرار البرلمان لإقرار موازنات مثقلة بالاستدانة لتغطية نفقات الدفاع والبنية التحتية.

* بلجيكا: تخطى الدين العام حاجز 706 مليار يورو، وهو ما يمثل حوالي 109.1% من الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح الاستدانة البلجيكية على مسار غير مستدام يهدد الاستقرار المالي للبلاد.

 

الفكر الغربي يشخّص الشلل التام

لم يعد نقد الرأسمالية حكراً على الشرق؛ بل إن كبار المفكرين والكتاب الغربيين باتوا يحذرون من أن النظام الليبرالي شارف على شلله وعجزه التام.

فقد أشار عالم الاجتماع الألماني الراحل أولريش بيك إلى مفهوم “مجتمع المخاطر”، حيث ينتج النظام أزمات يعجز عن حلها. وفي السياق ذاته، يرى الفيلسوف الفرنسي إدغار موران أن “الأزمة الحالية هي أزمة حضارية شاملة تعاني من فقر قيمي وإنساني حاد”. كما أكد الخبير الاقتصادي توماس بيكيتي في أبحاثه المعاصرة حول عدم المساواة، أن الرأسمالية غير المنضبطة تؤدي حتماً إلى تركز الثروة في يد 1% من المجتمع على حساب سحق الطبقات الشابة والوسطى، مما يجعل الانفجار الاجتماعي مسألة وقت لا غير.

ومع ذلك، فإن هذا النقد البنيوي الشرس لا يهدف إطلاقاً إلى الترويج للاشتراكية أو الشيوعية بوجهها التاريخي البائس والفقير الذي أثبت عقمه وتسببه في مصادرة الحريات وخنق الإبداع. إنما الهدف هو البحث عن نظم فرعية جديدة وفكر سياسي مبتكر ينتج رؤية اقتصادية واجتماعية مغايرة.
وهنا تبرز الأطروحة الاستشرافية التي جاءت في مقالي المنشور في مجلة الفورن بوليسي Foreign Policy الأمريكية

قبل سنتين ونشرت له ترجمة عربية صحيفة الصدى الغراء والذي دعوت فيه سابقاً إلى تبني( مفهوم “الدولة الرحيمة”.) وهي الدولة التي لا تترك مواطنيها لقمة سائغة لتوحش الأسواق والمضاربين، وفي الوقت ذاته لا تكبل المجتمع ببيروقراطية شمولية؛ بل توازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية الصارمة، واضعة كرامة الإنسان وصحته وتعليمه فوق حسابات الأرقام والأرباح.

 

خاتمة واستشراف آفاق المستقبل

تثبت الاحتجاجات الطلابية الراهنة في أوروبا أن المهدئات الاقتصادية التقليدية لم تعد تجدي نفعاً مع جيل يرى مستقبله يُسرق علانية لصالح سداد فوائد ديون لم يشترك في صياغتها. إن استشراف آفاق المستقبل ينبئنا بأننا لسنا أمام سحابة صيف عابرة، بل أمام مخاض عسير لولادة نظام عالمي جديد.

إذا استمرت الأنظمة الليبرالية الحالية في سياسات التقشف الأعمى وخصخصة الخدمات الأساسية، فإن رقعة العنف والرفض المطلق ستتسع لتتحول من مجرد “شغب شوارع” إلى تغيير سياسي راديكالي قد يطيح بنخب الحكم الحالية.

إن المستقبل يتطلب شجاعة فكرية لتبني مفاهيم مثل “الدولة الرحيمة”، والاعتراف بأن اقتصاداً لا يخدم رفاهية الإنسان واستقراره النفسي والتعليمي هو اقتصاد أجوف، مهما بلغت أرقام ناتجه المحلي زيفاً وضخامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى