“كندا”: صناديق الاقتراع تحدد مستقبل إقليم “ألبرتا” بعد ساعات .. وسط جدل النفط وشبهات التدخل الأجنبي
الصدى- اوتاوا، كندا / كتب: السيد ولد السيد /
يدلي ناخبو إقليم ألبرتا الغربي الغني بالنفط بأصواتهم اليوم الاثنين في استفتاء غير مُلزِم من عشرة أسئلة، أبرزها سؤال يخيّرهم بين بقاء الإقليم ضمن كندا وأن تبدأ حكومته المسار القانوني لاستفتاء ثانٍ مُلزِم على الانفصال، وهو أول اقتراع يشهده الإقليم حول هذه المسألة بحسب الجزيرة. ويأتي التصويت في ظل حرب تجارية مع واشنطن وفوز الحزب الكيبكي الانفصالي بانتخابات إقليم كيبك مطلع الشهر الجاري، ولم تصدر نتائج حتى عصر اليوم.
إقليم النفط أمام صندوق الاقتراع: عشرة أسئلة وسؤال واحد يشغل كندا
ألبرتا أحد أقاليم غرب كندا، عاصمته إدمنتون وأكبر مدنه كالغاري، ويمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. ويحكمه حزب المحافظين المتحد برئاسة دانييل سميث، رئيسة وزراء الإقليم منذ أكتوبر 2022، وتتولى كذلك حقيبة العلاقات بين الحكومات والعلاقات الدولية. ويشغل الحزب 47 مقعداً من مقاعد المجلس التشريعي البالغة 87، مقابل 39 للحزب الديمقراطي الجديد المعارض بزعامة نهيد نينشي. وتضم حكومة الإقليم، بحسب التشكيلة المعلنة في 21 مايو/أيار، نائب رئيسة الوزراء ووزير السلامة العامة وخدمات الطوارئ مايك إليس، ووزير المالية ورئيس مجلس الخزانة جيسون نيكسون، ووزير العدل ميكي أميري، ووزير الطاقة والمعادن براين جين، ووزيرة العلاقات مع السكان الأصليين راجان ساوهني. وتتقاسم حكومة الإقليم الصلاحيات مع الحكومة الفدرالية في أوتاوا، العاصمة الفدرالية للبلاد، التي يقودها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، زعيم الحزب الليبرالي.
يحق لنحو ثلاثة ملايين ناخب مؤهل المشاركة، بحسب هيئة انتخابات الإقليم. ويضع السؤال العاشر أمامهم خيارين: أن يبقى الإقليم جزءاً من كندا، أو أن تبدأ حكومته العملية القانونية التي يشترطها الدستور الكندي لعقد استفتاء ملزم حول الانفصال. وأكدت أسوشيتد برس وسي بي سي أن الاقتراع ليس استفتاءً مباشراً على الاستقلال، إذ لا يعني فوز الخيار الثاني قيام دولة جديدة، بل يفتح مرحلة قانونية وسياسية طويلة. وتغلق مراكز الاقتراع عند الثامنة مساءً بتوقيت ألبرتا، ويُفرز السؤال المتعلق بالانفصال أولاً بالعدّ اليدوي، وتستهدف الهيئة إعلان النتائج كلها خلال 48 ساعة. وكانت قد أعلنت تسجيل أكثر من 1.02 مليون صوت مبكر وبريدي حتى 16 أكتوبر، وتتوقع مشاركة قياسية بين 80 و85%. وتُرجّح الاستطلاعات كفة البقاء، إذ بلغ متوسط «ذا ريت» في 18 أكتوبر نحو 69% مقابل 25% للخيار الثاني.
من قاعة المحكمة إلى ورقة الاقتراع: كيف وُلد السؤال؟
جاء طرح السؤال بعد مسار قضائي وسياسي. ففي 13 مايو حكمت محكمة الملك (كينغز بنش) في ألبرتا لصالح أمم أولى (الشعوب الأصلية) اعترضت على استخدام آلية الاستفتاء لمسار انفصالي دون استشارتها، فأُسقطت عريضة «ستاي فري ألبرتا» الانفصالية، وتستأنف حكومة الإقليم الحكم. وفي 21 مايو أعلنت سميث إضافة السؤال إلى استفتاء كان مقرراً، قائلة إن عدم طرحه يعني «كتم أصوات مئات الآلاف» وهو أمر «غير مبرَّر».
وتحضر كيبك في خلفية المشهد، فقد رفض ناخبو الإقليم الناطق بالفرنسية السيادة بنسبة 59.56% عام 1980 و50.58% عام 1995. غير أن استفتاءي كيبك كانا مباشرين، أما اقتراع ألبرتا فيتناول فتح الطريق إلى استفتاء آخر، وتدور دوافعه حول الطاقة والمال والصلاحيات، بينما احتل البعد اللغوي والقومي موقعاً مركزياً في كيبك. وقانونياً، رسّخ رأي المحكمة العليا عام 1998 و«قانون الوضوح» الفدرالي (2000، وينظم شروط التفاوض على الانفصال) أن الإقليم لا ينفصل منفرداً، إذ يلزم سؤال واضح وأغلبية واضحة ثم مفاوضات وتعديل دستوري. ويرى ستيفان ديون، الذي صاغ القانون، أن سؤال ألبرتا لا يُفعّله، فيما قال كارني في مايو إن حكومة أوتاوا تراجع اتساقه معه.
حملة الوحدة: كارني وسميث في صف واحد وخلاف على الأسئلة التسعة
في تجمّع لحملة «كندي إلى الأبد» بكالغاري يوم 15 أكتوبر، قال كارني إن الاستفتاء يأتي «في أسوأ وقت ممكن»، وحذّر من التصويت لإرسال «رسالة» بقوله: «هذا ليس لعبة بوكر، والتصويت ضد كندا خدعة (bluff) خطيرة ستقود إلى سنوات من الانقسام العميق وعدم اليقين الكبير». ودعا إلى «نتيجة حاسمة»، مقرّاً بأن مظالم في ألبرتا حقيقية. وفي اليوم التالي ظهر إلى جانب سميث في ريد دير، فقال: «لنمضِ قدماً معاً، لأننا، كدولة، بدأنا للتو»، وقالت سميث: «أشعر للمرة الأولى منذ وقت طويل بأن ألبرتا وكندا تسيران معاً»، مضيفة أنها وكارني عالجا سبعة من «تسعة قوانين سيئة»، وأن حكومتها تصوّت للخيار الأول، أي البقاء.
غير أن اتفاقهما يقف عند السؤال العاشر. فبشأن الأسئلة التسعة الأخرى، المتعلقة بالهجرة والعلاقة الدستورية مع الحكومة الفدرالية، دعت سميث إلى التصويت عليها بـ«نعم» لإرسال رسالة إلى حكومة أوتاوا، بينما دعا كارني إلى رفضها. وتعهدت سميث في مقابلة مع CTV بعدم الدعوة إلى استفتاء آخر إن فاز البقاء. وعلى الجانب المحافظ الفدرالي، قال زعيم الحزب بيير بواليفر في كالغاري يوم 8 يونيو/حزيران: «لا نحتاج إلى بلد مختلف في ألبرتا، بل إلى سياسات حكومية مختلفة في أوتاوا»، وأكد في 21 مايو أن نواب حزبه سيدعمون البقاء في أي حملة استفتاء، داعياً كارني إلى مزيد من تطوير الموارد، بينما انتقدت النائبة المحافظة ميشيل ريمبل غارنر مقارنة كارني بين الحركة الانفصالية وبريكست.
معسكران في الإقليم: رسالة احتجاج أم طريق إلى الاستقلال؟
يضم معسكر البقاء حملة «كندي إلى الأبد» بقيادة توماس لوكاسزوك، نائب رئيس وزراء الإقليم السابق، وقد جمعت عريضتها أكثر من 400 ألف توقيع معتمد، إضافة إلى حكومة الإقليم والحزبين الليبرالي والمحافظ الفدراليين. أما معسكر الخيار الثاني، وفي مقدمته «مشروع ازدهار ألبرتا»، فيقول إن التصويت له «بلا مخاطرة» وإن النضال من أجل الاستقلال لن ينتهي بعد 19 أكتوبر. ويقول الناشط كوري مورغان إنه سيحترم إرادة الناخبين لكن ذلك «لا يعني أنني سأتوقف»، ويقرّ بأن الحركة «فعّالة» بالنسبة لمن يريدون مجرد كسب نفوذ لدى حكومة أوتاوا، لكنه يرى أن «لا شيء تغيّر في النظام». وتصف تانيا كليمنس، من «دعوا ألبرتا تقرّر»، اتفاقات كارني وسميث بأنها «وعود واهية» (pinky promises)، وانتقد كاميرون ديفيز، زعيم الحزب الجمهوري في ألبرتا، صياغة السؤال واصفاً إياها بأنها «spineless» أي تفتقر إلى الحزم.
وتشير بيانات «فيوبوينت ألبرتا»، بحسب الجزيرة، إلى أن ثلثي مؤيدي الخيار الثاني يصوّتون له لإرسال رسالة احتجاج. ويرى جاريد ويسلي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ألبرتا، أن الاستفتاء يعكس ضغوطاً داخل حزب سميث الحاكم، الذي يرتفع فيه التأييد للانفصال عنه لدى الألبرتيين عموماً، وأن سميث «تحاول حل مسائل داخلية في الحزب بإلقاء سؤال على الجمهور الأوسع».
شبهات التدخل: روايات متضاربة ولا استنتاج رسمياً حتى الآن
نشرت «غلوب آند ميل» مطلع أكتوبر تحقيقاً يفيد، بحسب نيوزويك وCTV، بأن أعضاء في «مشروع ازدهار ألبرتا» التقوا مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية العام الماضي وعرضوا عوائد نفطية وموارد مائية وحق مرور سكة حديد إلى ألاسكا مقابل دعم. ومصدر الرواية أحد مؤسسي المشروع دينيس مودري، الذي قال إنهم سلّموا وثيقة بهذا المضمون، فيما نفى محامي المجموعة جيفري راث روايته ووصفه بأنه «واهم». ولا يزعم التقرير التوصل إلى اتفاق، وكان البيت الأبيض قد قال في يناير/كانون الثاني إنه لم يُقدَّم دعم أو التزامات، وقال السفير الأمريكي بيت هوكسترا في يوليو/تموز، قبل نشر التحقيق، إن إدارته لم تلتقِ انفصاليين من ألبرتا ولم تناقش دعماً مالياً لهم.
وقال كارني في كالغاري: «هناك من هم خارج حدودنا يعملون على كسرنا حتى يتمكنوا من امتلاكنا»، ولم يسمِّ دولة بعينها في هذه العبارة، وإن أوردتها أسوشيتد برس بوصفها تحذيراً من الولايات المتحدة. وفي كندا، قال النائب المحافظ داين لويد إنه ليس لأحد حق التفريط في «حق ألبرتا الأصيل»، ودعت منظمة «بابليك إنترست ألبرتا» إلى تحقيق رسمي معتبرةً أن المنظِّمين «يبدو أنهم تواطؤوا مع عناصر أمريكية»، بينما قال النائب الليبرالي كوري هوغان إنه «راضٍ عموماً» بعدم وجود دفع كبير من البيت الأبيض مع دعوته إلى اليقظة. وقال جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي (CSIS) إن جهات أمنية فدرالية وإقليمية تعمل لحماية نزاهة الاستفتاء.
وأشارت دراسة لشركة «سايفر إيه آي» وجامعة ريجينا (20 أغسطس/آب) إلى حملات تضليل عبر مواقع ومؤثرين روس وأمريكيين، وقال الرئيس التنفيذي للشركة براين ماكوين: «من الواضح أن هناك تدخلاً أجنبياً». ومحلياً، تحقق هيئة انتخابات الإقليم والشرطة الملكية الكندية في تسريب قائمة ناخبين عبر «مشروع سنتوريون» الانفصالي، الذي قال إنه اعتمد على طرف ثالث، فيما نفى الحزب الجمهوري في ألبرتا ارتكاب مخالفة. ولم يصدر حتى الآن استنتاج رسمي أو قضائي يثبت تدخلاً أجنبياً منظماً أو أثراً له في التصويت.
ما بعد الصناديق: النفط والوحدة والعلاقة مع واشنطن
تتجاوز دلالة النتيجة عدّ الأصوات. فيرى عالم السياسة إيان كوبر، الذي نشأ في ألبرتا، أن الهزيمة قد لا تنهي الحركة، كما لم ينهِ استفتاء 1975 حملة الخروج البريطانية من الاتحاد الأوروبي. اقتصادياً، اتفق كارني وسميث في منتصف مايو على دعم أنبوب نفط إلى ساحل المحيط الهادئ صنّفته حكومة أوتاوا في 1 أكتوبر مشروعاً ذا مصلحة وطنية (نيوزويك). وأشار تقرير لغرف التجارة الألبرتية (29 يونيو/حزيران) إلى أن تجربة كيبك رافقها، بحسب تقديرات، انخفاض في الناتج الحقيقي بين 5 و10%، ويقول الاقتصاديان تريفور تومب وتشيتان ديف إن قياس الأثر الحالي صعب وإن عدم اليقين يضر بالاستثمار أياً كانت النتيجة. ويتطلب أي انتقال، وفق الإطار الدستوري الذي رسّخه رأي المحكمة العليا، تفاوضاً يتجاوز حكومة الإقليم ويشمل الأصول والديون والحدود وحقوق الشعوب الأصلية.
وفي العلاقة مع واشنطن، وصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ألبرتا في يناير بأنها «شريك طبيعي»، ويرى دانيال بيلاند من جامعة ماكغيل أن فوز الحزب الكيبكي، الذي وعد زعيمه باستفتاء لا يسبق مغادرة الرئيس دونالد ترامب منصبه في يناير 2029، قد يوحي لإدارة ترامب بأن الوحدة الوطنية ما زالت قضية كبرى. ويبقى أمام المراقبين حجم المشاركة، خصوصاً بين مؤيدي البقاء بعد تحذير كارني من اعتبار النتيجة محسومة، وحجم أصوات الخيار الثاني قياساً بالاستطلاعات، ونتائج الأسئلة التسعة الأخرى، ورد حكومة أوتاوا في ضوء قانون الوضوح، ونتائج التحقيقات في التدخل وتسريب قائمة الناخبين، وانتخابات الإقليم المقررة في 2027.




