الأخبارمقالات و تحليلات

8 إشارات إلى رمزية المولد النبوي الشريف / الشيخ ولد محمد ولد صَنْبَه

توطئة:

الشيخ ولد محمد ولد صَنْبَه / باحث في مجال الدراسات الإسلامية

لا يميز بعض الباحثين في الدراسات الإسلامية الحديثة، تمييزا إيجابيا بين الضوابط والأبعاد من جهة؛ والمقتضيات والحيثيات من جهة أخرى؛ في العلاقة المتغيرة السارية بين مشروعية الشيء في ميزان الأحكام الدينية؛ ورمزية هذا الشيء في خلفية الباعث التديني.. رغم أن هذا الباعث يمثل أولى مراحل التعاضد بين القناعة واليقين على مستوى وعائية الذهن البشري للمؤمن الصادق!.. فتختلط على مثل هؤلاء الباحثين، دون شعور منهم في الغالب، بعض الأمور والإشكالات في تداخلها وتقاطعها في واقع الحياة الجارية فكرا ومادة..

 

,ليظل من هذا حاله، محصورا في معظم تفكيره وطرحه، بحواجز ذهنية نتجت ربما عن استقصاء جيد ورائع، أو تحقيق رصين ومؤصل، تم وضعه وترتيبه في غابر الزمن، لكنه قد لا يمت لمخرجات الواقع الماثل بصلة فاعلة، يمكنها أن توفر درجة من التناسب الضروري للتكيف مع استنارة الفكر، أو تساهم في التعاطي اللازم مع تقدم العلم، بالنظر إلى تقلب أنماط الحياة وتأثير تلاقي الثقافات.

 

لا غرابة إذن إن وجدنا أن البعض من الباحثين والدارسين للشأن الإسلامي اليوم، تُغريه جاهزية القوالب الفكرية المنتَجة أو المستنتجة في الماضي القريب أو البعيد على حد السواء، فيظل متمسكا بحرفية تامة وجمود كامل، بأدوات ومعايير تم توفيرها واعتمادها حينئذ، مما قد يفقده في معظم الأحيان، التفكير المتوازن والتصور السليم لأفقية الحدث الجاري، وما تتطلبه إفرازاته واكراهاته من انفتاح ومرونة، لازمين لمسايرة العصر في حداثته، ومواكبة الحضارة في مدنيتها.

 

فهل لنا أن نتساءل هنا عن جدوائية الاشتغال الدائم بإشكاليات القرن الخامس والسادس الهجري التي أصبحت متجاوزة في مفهومها وفرعيتها؛ بدل معالجة إشكاليات القرن العشرين والواحد والعشرين الميلادي، التي لازالت تؤرق الباحثين والدارسين في شتى مجالات الدين والتدين ذات الصلة بطفرة العلم الحديث وبرقي الفكر المستنير؟

 

فمثلا لا حصرا:

 

أين نحن من تعزيز مفهوم وجودية الخالق العظيم لدى العالمين اليوم، في وجه إعراض اللادينيين وتراهات اللاأدريين ودراسات التطوريين؟

 

وأين نحن من الاستفهامات الكبيرة، التي يطرحها العلم الحديث، كأبرزرائد يدير دفة المعارف الكونية حاليا، حين يتساءل عن سر الوجود؟ وكنه الحياة؟ وطبيعة الكون؟ ويريد الإجابة عليها بلغة اليوم (الاستدلال الرياضي الصارم)؟

 

أزال الله عنا وعن المسلمين أجمعين، غشاوة التعصب والغلو، وضبابية التشدد والتطرف، إنه ولي ذلك والقادر عليه في كل حين!..

 

فلا شيء أعظم اليوم على المسلمين من هذه البلوى العظيمة التي تسعى إلى تشويه صورة الإسلام السمح، وتنفير الناس من هذا الدين الحنيف، وحشره في زاوية التاريخ والتراث!..

 

ولنعد إلى العنوان الذي انطلقت منه هذه السطور..

 

إذ تمكن الإشارة إلى رمزية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وما قد تستقطب من إيحاء ديني، أو تستوعب من قالب تديني، قد يندرج فيه عمل المولد، وما يظهره فيه بعض المحبين له صلى الله عليه وسلم الصادقين في التعلق به، من فرح وسرور في ذكرى مولده المبارك الميمون.. فهذا يدخل في أبواب عديدة ومناحي كثيرة، مناطها الإيحاء والإشارة إلى مقامه المحمود الذي وعده الحق جلّ في علاه..

 

ولا يلزم عرض مظاهر الفرح العفوي هذه، على ميزان التأصيل الشرعي الصارم، فهي لا تمس ثوابت العقيدة، ولا تزيد في أركان العبادة، ولا تدخل في أبواب المعاملة.. وإنما هي بهجة وسرور بعودة هذا اليوم المجيد بالنظر إلى حولية الأرض التي نعيش عليها، وانسيابية الوجود الماثل أمامنا، لا الحياة الباقية وعالم الخلود.

 

لا شك ولا ريب أن هناك إشارات وإيماءات، يمكن ذكرها والاستئناس بها في هذا الجانب المعنوي، وذلك لمن يرى حسن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فهي في ميزان عمل هذا المولد العظيم المعظم، وإحياء هذه الذكرى الطيبة الغالية، على نفوس المحبين وأفئدة المتقين. وهذه الإيحاءات والمضامين كثيرة ولا تتوقف على زمن معين أو فكر محدد، فهي سائرة بسريان التدبر في كتاب الله تعالى، والفهم في سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم فهذا التدبر وذاك الفهم لا حد لهما ولانهاية..

 

من ذلك اختصارا لا بسطا:

 

8 إشارات إلى رمزية المولد النبوي الشريف

 

أشارة أولى: منزلة يوم مولد رسل الله تعالى.

 

نبه القرآن الكريم إلى منزلة يوم ولادة رسل الله الكرام، صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين، في آيتين كريمتين، هما:

 

الأولى: بما ذكر من السلام من المولى عزّ وجلّ، على يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام، يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.

قال تعالى: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 15].

 

الثانية: بما جاء على لسان عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، من السلام على نفسه حين أنطقه الله في المهد لما أشارت إليه أمه الصديقة مريم ابنة عمران.

 

قال تعالى: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33].

 

فهاتان الآيتان الكريمتان، تربطان بين السلام من المولى عزّ وجلّ، الذي هو مدد إلهي لا يحصر مداه ولا معناه، ولا يحاط بمدلوله ولا فحواه، وبين أيام ثلاثة تبدأ بيوم ولادة كل من هذين الرسولين الكريمين صلوات الله عليهما وسلامه، لتمر بيوم وفاتهما، وتنتهي بيوم بعثهما في حياة الخلود. وفيه إشارة لطيفة إلى عظم شأن يوم ولادة الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، لا نفرق بين أحد منهم!.. ولا شك ولا ريب أن خاتم النبيئين صلى الله عليه وسلم وإمام المتقين، هو أعظم الرسل مولدا، وأجدرهم بالتعظيم، والمحبة، والنصرة، والتوقير، والتعزير و.. و.. و

 

إشارة ثانية: ملازمته صلى الله عليه وسلم لصوم يوم الاثنين.

 

عن أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ (ر)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم (فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيّ). (صحيح مسلم 819/2).

 

قال ابن رجب الحنبلي: [فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إيجاد محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم [آل عمران: 164]، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله تعالى على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر]. (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف – ص: 98).

 

سيقول المانعون للاحتفال بالمولد النبوي الشريف: إذاً نقتصر على الصوم في هذا اليوم!..

فيكون الرد عليهم: هذا تخصيص بدون مخصص، ولا دليل عليه البتة.

 

ثم يقول المانعون للاحتفال بالمولد النبوي الشريف: خص النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين من كل أسبوع، وليس الثاني عشر من ربيع الأول.

 

فيكون الرد عليهم: ضابط صومه صلى الله عليه وسلم ليوم الاثنين هنا، هو دورية الظرف وهي موجودة على امتداد المرجعية الزمنية كلها، والتعلق هنا بالأسبوع دون الحول، هو أقرب لمنهج الظاهرية.

 

وسوف يقول المانعون للاحتفال بالمولد النبوي الشريف كذلك: لماذا لا تقيمون إذن احتفالا سنويا بالبعثة النبوية، فالحديث يشملها؟

فيكون الرد عليهم: سياق الحديث النبوي الشريف؛ يبرز من الصلة والتقارب والتناغم بين مولده المبارك، وبعثته الميمونة، ما ان كل تعظيم لمولده النبوي الشريف، ينصرف تلقائيا لبعثته الطيبة. ثم إن البعثة ذكرت في لفظ للحديث وذكر النزول بدلا منها في لفظ آخر، في حين ذكر المولد هنا وهناك… إلى غير ذلك من الردود التي أوضحناها في بحث شامل عن الموضوع.

 

مجمل القول هنا، أنه قد ثبت في صحيح الحديث النبوي الشريف، الذي رواه الثقاة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يلازم صوم يوم الاثنين، فلما سئل عن ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: [يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه]. ويفهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد أومأ إلى مسألتين عظيمتين، في هذا الاتجاه، هما:

 

مسألة أولى: خصوصية يوم مولده صلى الله عليه وسلم ، خصوصية لا يشارك فيها من سائر أيام السنة كلها إلا يوم بعثته صلى الله عليه وسلم ، رسولا خاتما إلى الناس كافة؛ رغم أن حياته الشريفة مليئة بالأيام والأحداث الجليلة، كيوم الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، ويوم الفرقان (وقعة بدر)، ويوم الفتح المبين (فتح مكة)… إلخ.

 

مسألة ثانية: أنه صلى الله عليه وسلم كان يحيي ذكرى مولده الشريف شكرا لله تعالى، في كل اثنين بالصوم، ولا ينتظر بذلك الدورية السنوية. أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتذكر ويحيي يوم مولده الشريف 52 مرة في السنة الواحدةّ..

 

فكيف نستكثر اليوم على المسلمين المحبين له صلى الله عليه وسلم الصادقين فيه، إحياءهم لذكرى مولد نبيهم صلى الله عليه وسلم ورحمة الله بهم، وشفيعهم يوم القيامة، مرة واحدة في السنة كلها؟

 

وما الذي يمنعنا من تعظيم هذا المولد الميمون المبارك الذي أشار صلى الله عليه وسلم إلى خصوصيته الفريدة حين سئل عن صيامه فيه؟

إشارة ثالثة: صفة نحر الهدي النبوي في حجة الوداع.

لا شك أن البعض منا لم يتساءل: كيف نحر الرسول صلى الله عليه وسلم هديه في حجة الوداع؟.. إن أفعاله صلى الله عليه وسلم ليست اعتباطية، ولا دخل فيها للهوى ولا للشيطان ولا للنفس.. إنها شرائع وأحكام؛ وهدى وموعظة؛ وعبرة وحكمة…

 

جاء في صحيح مسلم مرفوعا: [ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلاَثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِى هَدْيِهِ…].

 

وروى الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما وغيرُهما بسند صحيح، حديث جابر (ر) في حجة الوداع وفيه: [وكان جماعة الهدي الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم والذي أتي به عَلِيٌّ (ر) مائةً، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثة وستين، وأعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه].

 

ورد في صحيح البخاري عن أنس (ر): [أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بيده سَبْعَ بُدْنٍ قياما]. وهذا في ظاهره قد يخالف قول جابر (ر)، في أنه نحر ثلاثا وستين.

 

وقد جمع العلماء رحمهم الله تعالى بين الحديثين على أحد وجوه ثلاثة، فقالوا:

 

وجه أول: أَنّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَنْحَرْ بِيَدِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ بُدْنٍ كَمَا قَالَ أَنَسٌ (ر)، وَأَنّهُ أَمَرَ مَنْ يَنْحَرُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَمَامِ ثَلَاثٍ وَسِتّينَ ثُمّ زَالَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَأَمَرَ عَلِيّا (ر)َ فَنَحَرَ مَا بَقِيَ.

 

وجه ثانِي: أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ (ر) لَمْ يُشَاهِدْ إلّا نَحْرَهُ صلى الله عليه وسلم سَبْعًا فَقَطْ بِيَدِهِ، وَشَاهَدَ جَابِرٌ تَمَامَ نَحْرِهِ صلى الله عليه وسلم لِلْبَاقِي، فَأَخْبَرَ كُلّ مِنْهُمَا بِمَا رَأَى وَشَاهَدَ.

 

وجه ثّالِثُ: أَنّهُ صلى الله عليه وسلم نَحَرَ بِيَدِهِ الشريفة مُنْفَرِدًا سَبْعَ بُدْنٍ كَمَا قَالَ أَنَسٌ (ر)، ثُمّ أَخَذَ هُوَ صلى الله عليه وسلم وَعَلِيّ (ر) الْحَرْبَةَ مَعًا، فَنَحَرَا كَذَلِكَ تَمَامَ ثَلَاثٍ وَسِتّينَ كَمَا قَالَ غَرَفَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِنْدِيّ أَنّهُ شَاهَدَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ قَدْ أَخَذَ بِأَعْلَى الْحَرْبَةِ وَأَمَرَ عَلِيّا فَأَخَذَ بِأَسْفَلِهَا، وَنَحَرَا بِهَا الْبُدْنَ ثُمّ انْفَرَدَ عَلِيّ بِنَحْرِ الْبَاقِي مِنْ الْمِائَةِ كَمَا قَالَ جَابِرٌ.

 

فما الحكمة من نحر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم 63 ناقة في حجة الوداع، دون بقية هديه البالغ عدده 100 بدنة؟ هل هناك دلالة بين ذلك العدد وعدد السنين التي عاشها صلى الله عليه وسلم ؟ أم أنه إشارة إلى قرب أجله صلى الله عليه وسلم ؟ أم لحكمة أخرى لا نعلمها؟

 

قال ابن القيم رحمه الله تعالى؛ في زاد المعاد: [وكان عدد هذا الذي نحره عددَ سني عُمُرِه!..].

 

ومهما يكن، فهناك إشارة ما، تربط بين طريقة نحر الهدي النبوي في حجة الوداع، وعدد سني عمره صلى الله عليه وسلم ؛ فالآثار تشير إلى ذلك. وما ثبت من خصوصية في هذا الشأن، لا بد أن ينصرف في مدلوله ومعناه، إلى الرمزية في مولده النبوي الشريف، شاء من شاء وأبى من أبى!..

 

إشارة رابعة: صوم يوم عاشوراء.

 

عن ابن عباس (ر) قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال صلى الله عليه وسلم: [ما هذا؟]، قالوا: يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل، من عدوهم فصامه موسى عليه السلام. قال صلى الله عليه وسلم: [فأنا أحق بموسى منكم]، فصامه وأمر بصيامه. (رواه البخاري ومسلم ).

 

قال ابن حجر العسقلاني (773 – 852 هـ)، [محدث الدنيا] لما سئل عن عمل المولد النبوي الشريف: [وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله. قال صلى الله عليه وسلم: [فأنا أحق بموسى منكم]، فصامه وأمر بصيامه. فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى، على ما منّ به في يوم معين، من إسداء نعمة أو دفع نقمة… إلى أن قال: وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه، فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى، من نحو ما تقدم من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية، المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة]. “حسن المقصد في عمل المولد” تأليف جلال الدين السيوطي – (ص 10).

 

فما أحسن هذا التخريج، وما أقربه من الصواب، وما أصدقه مع الله، وما أطيبه في الفؤاد؟

 

فلا شك أن الذين يحتفلون بهذا المولد النبوي الشريف، باعثهم المحبة النبوية الصادقة، والفرح النابع من الشكر والثناء لله تعالى، على ما أنعم الله به على المسلمين، من إيجاد هذا الرسول الكريم والسيد العظيم صلى الله عليه وسلم ، الذي فضله الله على الخلائق أجمعين، ملائكتهم وإنسهم وجنهم وما لا علم لنا به!..

 

وخلاصة القول هنا، أن تعظيم الأيام الفاضلة أمرٌ مقررٌ شرعاً، ولذا صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه.

 

إشارة خامسة: قصص أنباء الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

 

يقول الله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: 120].

 

فإذا كان قصص أنباء من سبقوه صلى الله عليه وسلم من الرسل الكرام يثبت فؤاده الشريفّ وهو خاتمهم وإمامهم.. فكيف يكون حينئذ تثبيت قصص أنبائه صلى الله عليه وسلم لأفئدتنا نحن المسلمين، في هذا العصر، عصر العولمة وطغيان المادة، وما به من غفلة عن الله تعالى، وإعراض عن دينه الحنيف، وما ظهر فيه من إساءة لجنابه الطاهر واستهزاء بشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم ؟..

 

من هنا، يكون سرد سيرته العطرة وشمائله الطيبة، وحكاية مديحه شعرا ونثرا، تثبيتا لأفئدتنا، وتذكيرا لنا، وموعظة لقلوبنا، فهي أفضل القصص النبوي كله، وأبلغ حكمة، وأنفع تذكرة، وأصدق عبرة!.. يقول الله عزّ وجلّ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: 81، 82].

 

إشارة سادسة: التحدث بالنعمة الإلهية.

 

يقول الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11].

 

ذهب جمهور العلماء والأئمة من المتقدمين والمتأخرين، إلى أنه لا مانع من اعتبار مظاهر الفرح في يوم المولد النبوي الشريف، صورة من صور شكر الله تعالى وحمده والثناء عليه، على ما أنعم المولى العظيم الأعظم به علينا وعلى العالمين أجمعين، من إيجاد وبعثة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم..

 

والمقصدية هنا إنما هي الوصول بهذه الطاعة (التحدث بنعمة الرب وشكرها) إلى محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ،وقد تتحقق هذه المقصدية بأي وسيلة لا تخالف الشرع المحمدي، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد لا يخالف الشرع، ولا يلزم تأصيله تأصيلا شرعيا صارما .

 

ثم إن هذا الاحتفاء والاحتفال:

 

إما أن يكون شكرا لله تعالى بما يشكر به عزّ وجلّ من الطاعات، كالصوم لله، والسجود له، وإطعام الطعام، والصدقة، وغير ذلك…

وإما أن يكون تعظيما له، وتوقيرا له، وتعزيرا له، ونصرة له صلى الله عليه وسلم ولدينه الحنيف السمح، ودعوة لما جاء به من عند ربه جلّ جلاله، من الحق والعدل والخير الجزيل …

 

وإما أن يكون محبة فيه صلى الله عليه وسلم ، وتعلقا به في الدنيا والآخرة.. في الدنيا طلبا لرحمة الله بالصلاة عليه، فمن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا.. وفي الآخرة طمعا في شفاعته يوم الدين، فهو شفيع الأولين والأخرين.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها).

 

ويقول سليمان التيميّ: (إن الله عز وجل أنعم على عباده بقدر طاقته، وكلفهم من الشكر بقدر طاقتهم).

 

إشارة سابعة: إظهار الفرح بفضل الله وبرحمته.

 

يقول الله تعالى:

 

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58].

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].

ماذا يمكننا القول عن الإشارة في السياق القرآني الجامع في هاتين الآيتين الكريمتين؟

 

وكيف يمكننا الوقوف في وجه جموع المحبين له صلى الله عليه وسلم ، وهم يستبشرون بقدوم ذكرى مولده الميمون المبارك على جميع خلق الله، إنسا وجنا وملائكة وما هو في متعلق علم الله تعالى مما لا يحيط به إلا العلي العظيم؟

 

وكيف نثبت أن ما يظهره بعض المسلمين في هذا اليوم الأغر، من محبة له، ومن تعلق به صلى الله عليه وسلم ، يخرج عن نطاق الفرح بفضل الله وبرحمته عزّ وجلّ، على ما منّ عليهم به، من محض كرمه وجوده عزّ وجلّ عليهم به صلى الله عليه وسلم ، وما أولاهم وخصهم به مما، يستحق الشكر منهم عليه من أكثر من وجه.

 

قال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الوراق :

 

إذا كان شكري نعمة الله نعمةً عليَّ له في مثلها يجب الشُّكر

 

فكيف بلوغ الشُّكر إلاّ بفضله وإن طالت الأيَّام واتَّصل العمر

 

إشارة ثامنة: نذر البهجة والسرور بقدومه صلى الله عليه وسلم.

 

عند الترمذي، وابن حبان، والبيهقي، من حديث بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رجع من بعض غزواته، فجاءت جارية (ر) وقالت: إني نذرت إن ردك الله صالحا (أي سالما) أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فأذن لها صلى الله عليه وسلم أن توفي بنذرها.

 

قال الشوكاني: [وقد دلت الأدلة أنه لا نذر في معصية الله، فإذنه صلى الله عليه وسلم لها دليل على الإباحة، إذ لو كان معصية لما أذن لها بذلك صلى الله عليه وسلم].

فإذا كان صلى الله عليه وسلم أقرّ الوفاء لمن نذر أن يفرح بقدومه من بعض غزواته، بالضرب بالدف والغناء بين يديه صلى الله عليه وسلم ،فكيف يكون الوقوف اليوم في وجه من أراد الفرح بقدوم يوم مولده صلى الله عليه وسلم ، وإحيائه بالشكر لله، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، وسرد سيرته ومديحه؟

 

قال الخطابي: [ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح لسلامة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب].

 

هذا كلام الإمام العلامة، الحافظ اللغوي، أبو سليمان الخطابي، الذي عاش ومات في القرن الرابع الهجري، (رحمه الله تعالى)، فكيف به لو كان بيننا اليوم، وقد ازدادت اللائحة السوداء، لائحة الكفر والنفاق، بأهل الإساءة والاستهزاء والسخرية بصاحب الخلق العظيم، والمقام المحمود، والشفاعة يوم الدين صلى الله عليه وسلم ؟

 

هذا جانب محدود من الإشارات إلى رمزية المولد النبوي الشريف.. والإشارات في ذا المنحى الجليل لا حد لها ولا نهاية.. لأن مصدرها تدبر الوحي الإلهي المحفوظ، وفهم السنة النبوية الصحيحة، فهما يخلو من التعصب لرأي أو فتوى غابرة خالفها السواد الأعظم من علماء وصلحاء الأمة المحمدية.. خير أمة أخرجت للناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى