الأخبارالصدى الثقافيمقالات و تحليلات

دروس وعبر من غزوة بدر الكبرى

خارطة تُظهر مسير الجمعين إلى بدر

بعد الاطلاع على مجمل أحداث غزوة بدر الكبرى، يمكن استخلاص بعض الدروس والعبر منها، على النحو الآتي:

 

ما قبل المعركة:

  1. أهمية الأخذ بالأسباب، ومنه تقصي أخبار العدو، فقد أرسل صلى الله عليه وسلم عدي بن أبي الزغباء وبَسْبَس بن عمرو الجهني، طليعةً يوم بدر، فرجعا إليه صلى الله عليه وسلم بخبر القافلة(52).

 

  1. ظهور الصبغة العقائدية على أولى الملاحم الإسلامية، حيث التحق أحد شجعان المشركين بالمسلمين في الطريق إلى بدر ليصيب معهم، فأبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلم الرجل، والتحق بالمسلمين(53).

 

  1. استواء القائد والجند في تحمل الشدائد والمصاعب، فها هو صلى الله عليه وسلم يتعاقب مع علي بن أبي طالب وأبي لبابة على بعير واحد، ويأبى أن يؤثراه، ويقول: «مَا أَنْتُما ما بِأَقْوَى مِنِّي، وَلا أَنَا بأِغْنىَ عَنِ الأجْرِ مِنكُما»(54)، فكيف لا يحتمل الجند المشاق وقائدهم يسابقهم في ذلك؟!

 

  1. أهمية الأمير ودوره في الحضر والسفر، فقد استعمل صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة(55).

 

  1. تطبيق مبدأ الشورى، وتعويد الأمة على ممارستها، وبيان أهميتها، بخاصة في الأمور المصيرية كالحروب، ومنه ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حين استشار أصحابه وأراد الأنصار، وقبوله صلى الله عليه وسلم بمشورة الحباب بن المنذر بشأن ماء بدر، وفيه تعويد للصحابة على التفكير بالمشكلات العامة، والتربية على الشعور بالمسؤولية.

 

  1. الأدب مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والالتزام بالشريعة، ويظهر ذلك حين عرض الحباب بن المنذر خطته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ »(56)

 

  1. أهمية حماية القائد في المعركة، ويظهر ذلك من بناء الصحابة عريشًا للنبي صلى الله عليه وسلم، خلف الجيش يدير منه المعركة، وتوفير الحراسة الكافية له.

 

  1. حب الشهادة والتعلق بالجنة، ومنه ما فعله عُمَ ير يُر بن ا لح لحمُا مامِ الأنصاري، حين رمى التمرات من يده لما قال صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا إِلى جَنةٍَ عَرْضُهَا السَمَوَاتُ وَالأَرْضُ»(57)

 

  1. الوفاء بالعهد، ومنه ما حدث مع حذيفة بن اليمان ووالده، حين أخذ المشركون منهم العهد ألا يقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذكرا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «نستعينُ اللهَ عليهمْ، وَنَفِي بِعَهْدِهِمْ»، فذاك الذي منعهما أن يشهدا بدرًا(58).

 

  1. الحرص على الرعية، ومراعاة الفروق الفردية بين أفرادها، والاختيار المناسب للمهمة الموكلة، ومنه رده صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، لصغر سنهما(59).

 

أثناء المعركة:

خارطة تبين موقع المعسكرين في بدر
  1. التنويع في استخدام الأساليب الحربية المختلفة، والتفكير بالجديد منها، ومن ذلك:

 

أ. ما فعله صلى الله عليه وسلم، من جعل المسلمين في صفوف للقتال، على خلاف عادة العرب في استخدام أسلوب الكر والفر.

 

ب. أمره صلى الله عليه وسلم لأصحابه برمي المشركين بالنبل إذا اقتربوا، والاحتفاظ بها إذا ابتعدوا، حرصًا على الإفادة من النبال، أقصى ما يستطاع.

 

  1. استغلال من الظروف الطبيعية أثناء القتال، ومنه ما فعل صلى الله عليه وسلم حين استقبل المغرب وجعل الشمس خلفه، فاستقبل المشركون الشمس(60)، وكانت في وجوههم.

 

  1. العدل ومحاسبة القائد، وقبول القائد المحاسبة، ومنه ما فعله سَوَاد بن غَزِيَة الأنْصَارِيّ حين طلب القود من النبي صلى الله عليه وسلم، لما طعنه صلى الله عليه وسلم حين كان خارجًا عن الصف(61).

 

  1. أهمية الدعاء، ومنه إكثاره صلى الله عليه وسلم من الدعاء حتى سقط رداؤه وهو في العريش.

 

  1. أهمية اتصاف القائد ببعد النظر، والاعتماد على الله تعالى، والأخذ بالأسباب مع الدعاء، ويظهر ذلك في دعائه صلى الله عليه وسلم؛ حين قال: «اللهم أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللهم آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللهم إن تهْلِكْ هذه الْعِصَابَةَ من أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ في الأرض»(62).

 

إمداد الله تعالى المؤمنين بالملائكة:

 

الحكمة من نزول الملائكة هي تحصيل ما يكون سببًا لانتصار المسلمين؛ من بشارتهم بالنصر، وتثبيت المؤمنين، وتقوية قلوبهم، واشتراك الملائكة الفعلي في القتال، وشكلت هذه المشاركة عاملاً قوياً في تحطيم معنوية الكفار وزعزعتهم حين يشيع في صفوفهم احتمال تكرار نزول الملائكة.

 

وقد مضت سنة الله تعالى في خلقة بتدافع الحق والباطل، وأن تكون الغلبة بين الحق والباطل وفقًا لسنن الله تعالى في الغلبة والانتصار، فالجهة الأقوى الحاصلة على معاني القوة اللازمة للغلبة هي التي تغلب، ومن ثمرات الإيمان الصادق حصول أهل الحق على التأييد من الله تعالى والإمداد بما يستلزم نصرهم وغلبتهم على الباطل وأهله بعد أخذهم بالأسباب الأخرى المادية.

 

ورعاية صورة الأسباب وسننها كانت سببًا في إمداد الله تعالى المؤمنين بالملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، وذلك حتى يكون الفعل للنبي ،صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا للمؤمنين على عادة مدد الجيوش(63).

 

الأسرى:

 

  1. حسن معاملة أسرى العدو، والتواصي بهم، والمعاملة الطيبة لهم، دل على ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم بهم، وما فعله آسرو أبي عزيز، أخي مصعب بن عمير، رضي الله عنه، حين خصوه بالخبز، فاستحيا منهم فردها إليهم، فردوها عليه(64).

 

  1. لم يكن الهدف من فداء الأسرى جمع المال، دل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان على استعداد ليطلق الأسرى، لو أن مطعم بن عدي كان حيًا وكلمه فيهم، وفاءً له.

 

  1. العدل وعدم المحاباة، وذلك حين أبى النبي صلى الله عليه وسلم، ترك فداء عمه العباس، رضي الله عنه، لما طلب منه رجال من الأنصار ذلك.

 

  1. الحرص على نشر العلم والمعرفة ومحو الأمية، ويظهر ذلك في جعله صلى الله عليه وسلم، فداء من لم يكن له فداء من مال، تعليم أبناء الأنصار الكتابة.

 

  1. تلقين الطغاة الدروس البليغة، ويظهر ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط، والنضر ابن الحارث بن كلدة، وكذلك بمقتل أبي جهل، وأمية بن خلف، وسادات قريش.

 

  1. حرص أعداء هذا الدين على التصفية الجسدية للدعاة، ومنه ما فعلت قريش حين أرسلت عمير بن وهب الجمحي لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

الغنائم:

 

  1. العدل في توزيع الغنائم، ومنه توزيعه صلى الله عليه وسلم الغنائم على الصحابة بالتساوي، وضربه صلى الله عليه وسلم، لتسعة من الصحابة لم يحضروا الغزوة، لأعمال كلفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

  1. اتباع الشريعة، وطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، تذهب الخلاف وتمحوه، ومنه ذهاب الخلاف وتلاشيه بين الصحابة، رضوان الله عليهم، بعد بيان حكم الله تعالى في الغنائم.

 

  1. تكريم الشهداء ورعاية أبنائهم، ومنه إسهام الرسول صلى الله عليه وسلم، لمن استشهد ببدر، فأعطى ذلك لورثتهم(65).

 

دروس وعبر عامة:

 

  1. حتمية انتصار هذا الدين وأهله، حتى وإن تباينت المفارقة بين أهل الحق وأهل الباطل في العدة والعتاد.

 

  1. حقيقة النصر هي من عند الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الانفال: 10].

 

  1. تحقيق النصر يحتاج إلى اجتماع الأخذ بالأسباب المادية والمعنوية بالقدر المستطاع، والتوكل الصادق على الله عز وجل، فيكون بذلك التوفيق الرباني في تهيئة أسباب النصر مع التأييدات الربانية.

 

  1. إحقاق الحق، وإبطال الباطل، لا يكونان فقط بمجرد البيان النظري للحق والباطل، ويظهر ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7- 8].

 

  1. علو العقيدة الإسلامية على سائر المصالح والمطامع الدنيوية، ويظهر ذلك في تعدي الأنصار العهود التي قطعوها في بيعة العقبة الثانية من أجل عقيدتهم، وكذلك مواجهة المهاجرين أقاربهم وأهليهم في المعركة.

 

  1. استحقاق المنزلة الرفيعة، والتقدير الكبير، بالأعمال الصالحة والعظيمة. إلى غير ذلك من الدروس والعبر الكثيرة والعظيمة.

 

الخاتمة

 

في ختام هذه الدراسة المتواضعة لموضوع «غزوة بدر الكبرى – دروس وعبر ،» نعرض خلاصة النتائج التي تم التوصل إليها، والتوصيات.

 

أولاً: النتائج:

 

تتلخص نتائج هذه الدراسة بما يأتي:

 

  1. بدأت الدعوة في المرحلة المكية، وكان تشريع الجهاد على مراحل في العهد المدني.

 

  1. وقعت معركة بدر في يوم الاثنين السابع عشر من شهر رمضان، في السنة الثانية للهجرة، عند ماء بدر.

 

  1. أراد المسلمون عير قريش، وأراد الله المعركة؛ ليحق الحق ويبطل الباطل.

 

  1. عدة قريش تفوق عدة المسلمين أضعافاً، لكن لا قيمة للعدة والعتاد عند الأخذ بالأسباب والتوكل الصادق على الله عز وحل.

 

  1. شاور النبي أصحابه لتأصيل مبدأ الشورى وتطبيقه، وعمل بالمشورة.

 

  1. أيد الله المؤمنين بالماء والنعاس وقتال الملائكة معهم، بسبب إيمانهم وتوكلهم على الله، وشدة دعائهم.

 

  1. نوّع صلى الله عليه وسلم في استخدام الأساليب الحربية المختلفة.

 

  1. أظهر الله عز وجل دينه في هذا اليوم، ونصر نبيه، وأهلك طغاة قريش وصناديدها.

 

  1. الإمام مخير في الأسرى بين القتل أو الفداء أو المن.

 

  1. حسن معاملة الأسرى والتواصي بهم.

 

  1. تُخَمَّسُ الغنائم، ثم يوزع أربعة أخماسها على المشاركين في المعركة بالتساوي.

 

  1. مرجع الوحدة وذهاب الخلاف هو في اتباع الشريعة وطاعة الله ورسوله.

 

  1. أهمية تكريم الشهداء ورعاية أهليهم وأبنائهم.

 

  1. علو شأن العقيدة على كل الأواصر والمصالح والمطامع الدنيوية.

 

  1. أهمية الأخذ بالأسباب

 

ثانيًا: التوصيات:

 

  1. ضرورة إجراء مزيد من الدراسات المنهجية السيرة النبوية، وتنقيتها من الشوائب والروايات الضعيفة.

 

  1. الاهتمام بالسيرة النبوية واستخلاص العبر والفوائد منها.

 

  1. دعوة الناس للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في أحوالهم جميعها. هذا وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

المصادر والمراجع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى