دولة الكفاءة ام دولة الولاء؟ / كتب : ا.د كريم فرمان

المصدر : الكاتب /
تنهض الأمم الحية بعيدا عن الهوية الضيقة وفي لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول يبرز سؤال جوهري يحدد مصيرها،هل يمنح المنصب لمن يستحقه بعلمه واهليته ام لمن نثق به لقرابته او مذهبه؟
ان دروس التاريخ تثبت بلا مواربة ان الكفاءة هي العقد الاجتماعي الوحيد القادر على حماية الدولة من الترهل والضعف والفساد بينما ان الولاء الشخصي والمذهبي ليس إلا وصفة سريعة لانهيار المؤسسات.
حينما تكون الجدارة فوق كل اعتبار تتحرر القيادة من عقدة الانتماء الضيق وتزدهر الدولة ويتغير مجرى التاريخ.
ومما يروى ان رئيس الوزراء العراقي الراحل عبد الكريم قاسم عندما أراد اختيار العالم الفيزيائي العراقي د. عبد الجبار عبدالله وهو واحدا من أربعة تلاميذ في العالم تتلمذوا على يد البرت انشتاين صاحب النظرية النسبية همس احد الوزراء في أذن الزعيم قاسم ان المرشح لرئاسة الجامعة ينتمي الى طائفة الصابئة المندائية مما يدخلنا في مشكلة مع رجال الدين الإسلامي!!
لكن الزعيم رد انا اردت عالم لرئاسة جامعة للعلم والبحوث ولم اختار مفتي!!!
وكانت الرسالة واضحة ان الجامعة للعلم والوطن للجميع والمعيار هو العطاء الأكاديمي لا المعتقد الديني.
وفي الهند التي اعتبرها اكبر ديموقراطية للتنوع في العالم وفي بلد يضم اغلبية هندوسية اتذكر كنت استاذ زائر في كلية السياسة الدولية بجامعة جواهر لآل نهرو في دلهي دعوت مع اساتذة لحضور حفل تنصيب رئيس الجمهورية عالم الصواريخ الذرية برفسور زين العابدين عبد الكلام العالم المسلم الملقب ابو القنبلة النووية الهندية اذكر ذلك المشهد الراسخ في ذاكرتي حتى اليوم وقف له اعضاء البرلمان الهندي بانحناء وطرق مدوي على المكاتب بينما رئيس البرلمان يخاطبه بالقول يا سيدي الرئيس لو ان الهند كلها وجدت لك تكريما وتشريفا اكبر من هذا لما تركناه فانت جعلت أمتنا عظيمة !! علما ان المنصب بكبر حجمه يعتبر نوع من التشريف فالرئيس يمتلك حق العفو عن السجناء ولكنه لا يملك صلاحية توقيف اي شخص !!
لقد اختارته الهند التي قال عنها نهرو نحن لسنا أمة واحدة، نحن امم في دولة ،نعم اختارته الدولة لعبقريته وعلمه واخلاصه ونزاهته وليس لطائفتة او عرقه مما عزز من وحدة النسيج الهندي وأثبت ان القوة الناعمة هي التي تصهر الخلافات.
ولا انسى في هذا الإطار سنغافورة معجزة (لي كوان يو) خريج جامعة كامبردج الذي حول جزيرة صغيرة فقيرة إلى عملاق اقتصادي عالمي عبر مبدا واحد سماه (Meritocracy) او حكم الجدارة فلم يعين وزيرا لأنه من عرقية معينة فحسب انما فقط لان نتائجه مبهرة مما جعل سنغافورة نموذجا عالميا للنزاهة ونظافة اليد وكفاءة الإدارة.
وفي رواندا التي خسرت ملايين من أبنائها في حرب أهلية عرقية والتي اطلق عليها دولة( النهوض من الرماد) وبعد الابادة الجماعية منع الرئيس الرواندي النزيه بول كاغامي السؤال عن العرق ( هوتو او توتسي ) عند تولي الوظيفة العمومية وجعل معايير الكفاءة والتاهيل والخبرة والنتائج هي الأساس الوحيد للترقية مما كان سببا لتحويل رواندا إلى نمر اقتصادي افريقي في تحقيق معدلات النمو وتطور الخدمات.
وربما يبق السؤال لماذا الكفاءة والجدارة هي الحل؟؟
لأن الاعتماد فقط على الموالين بدلا من المؤهلين يخلق بيئة طاردة للعقول فالشخص الكفوء عادة يمتلك الشجاعة لقول لا عندما يرى خطئا فنيا او اداريا بينما الموالي يسعى لإرضاء المركز الأعلى حتى لو غرق القارب بمن فيه .
المنصب العمومي هو امانة ومسؤولية قبل أن يكون وجاهة سياسية، والنهضة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المستشار هو الاكبر علما وليس الاكثر قربا وان القوة الحقيقية للدولة لا تكمن في صبغة دينية او عرقية موحدة لمسؤوليها، بل في مدى قدرتها على استيعاب افضل عقولها تحت سقف واحد ومسطرة موحدة فعالم اليوم الذي نعيش فيه لم يعد يحترم الدول لطوائفها او مذاهبها بل لجودة تعليمها، وقوة اقتصادها،وعدالة مؤسساتها.




