موريتانيا بين التحولات الإقليمية واستحقاق اللحظة الداخلية / الدكتور يوسف حرمة بابانا

أكتب هذا المقال في سياق تذكيري، لا أكثر، للنخبة الموريتانية بمختلف مواقعها السياسية والفكرية والمؤسسية، قبل الدخول في أي حوار وطني مرتقب، وفي لحظة إقليمية لا تحتمل كثيرًا من التأجيل أو سوء القراءة.
فموريتانيا اليوم لا تتحرك في بيئة مستقرة أو قابلة للتنبؤ، بل في محيط إقليمي يتشكل من جديد بهدوء، من الساحل إلى الأطلسي، ومن الداخل الإفريقي إلى دوائر التنافس الدولي.
في الشرق، لم تعد أزمة مالي مجرد ملف جغرافي مجاور، بل تحولت إلى عامل ضغط دائم على كامل منظومة الساحل. تدفقات أمنية غير مستقرة، وهشاشة حدودية، وتعقيدات إنسانية متكررة، كلها تجعل من الحدود الموريتانية مساحة اختبار يومي لقدرة الدولة على الصمود وإدارة التوازن.
وفي الفضاء الأوسع للساحل الإفريقي، تتسارع إعادة صياغة موازين القوة. أنظمة سياسية تتغير خارج القنوات التقليدية، وتحالفات تتبدل بسرعة، وفاعلون جدد يملؤون فراغًا خلفته ترتيبات إقليمية سابقة. والنتيجة مشهد أقل استقرارًا وأكثر سيولة، وأشد حساسية تجاه أي اهتزاز داخلي.
هذا التحول لا يمكن فصله عن إعادة انتشار النفوذ الدولي داخل القارة، حيث لم يعد التنافس رمزيًا أو دبلوماسيًا فحسب، بل أصبح مباشرًا ومرتبطًا بالأمن والموارد والممرات الاستراتيجية. وفي مثل هذا السياق، لا تبقى الدول متوسطة الحجم في موقع المتفرج، بل تُدفع لإعادة تعريف أدوات توازنها ومجالات حركتها.
وعلى الجبهة الأطلسية، تبرز موريتانيا في موقع مختلف لكنه لا يقل حساسية. فالساحل البحري لم يعد مجرد امتداد اقتصادي تقليدي، بل أصبح مجالًا استراتيجيًا مرتبطًا بالغاز والطاقة والممرات البحرية، وبخرائط مصالح تتجاوز الإطار الوطني نحو فضاء أطلسي–إفريقي أوسع.
غير أن هذا الانفتاح، رغم أهميته، يفرض تحديات دقيقة تتعلق بكيفية إدارة الموارد والموقع دون الإخلال بالتوازن السيادي للدولة، إذ إن كل عنصر قوة جديد يحمل معه درجة أعلى من الاستقطاب والاهتمام الخارجي.
داخليًا، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إعادة ضبط العلاقة بين الدولة ومؤسساتها العميقة من جهة، وبين المجتمع السياسي ومتطلبات التحديث من جهة أخرى. فالحوار المرتقب، أيا كانت صيغته، لن يكون مجرد محطة سياسية عابرة، بل اختبارًا لقدرة المنظومة الوطنية على تحويل التعدد والاختلاف إلى إطار استقرار بدل أن يبقى مصدر توتر دائم.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إدارة اللحظة فقط، بل في بناء رؤية تتجاوزها. فاستمرار منطق رد الفعل لم يعد كافيًا في محيط يتحرك بوتيرة أسرع من أدوات الدولة التقليدية.
وفي المحصلة، تقف موريتانيا عند تقاطع حساس بين إقليم مضطرب ومجال أطلسي مفتوح على تحولات كبرى. وبين هذين الاتجاهين، يظل السؤال الأهم للنخبة الوطنية ليس فقط كيف تُدار المخاطر، بل كيف يُعاد تعريف موقع الدولة داخل هذه التحولات قبل أن تُفرض عليها من الخارج.
المصدر :الكاتب




