الأخبارمقالات و تحليلات

(أوهام السنتين) “تشريح البنية العميقة لـ”صمود” طهران وشبح التداعي الجيوسياسي في بغداد”/ بقلم : ا.د كريم فرمان

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

تنويه من المحرر:

مقال أكاديمي رصين ومصاغ بلمسة صحفية تحليلية جادة للأكاديمي العراقي البارز الأستاذالدكتور كريم فرمان، كتبه خصيصا للصدى ،يجيب بالتفصيل والأدلة الميدانية والجيوسياسية المحدثة على جميع السيناريوهات والتساؤلات الحساسة والمترابطة في المنطقة على فرضية انهيار النظام الايراني ومدى قدرته على الصمود والمناورة وفرضية تداعيات انهيار الحكم الايراني على الساحة العراقية.

المصدر : الكاتب  ا.د كريم فرمان /(مفال تحليلي حصري للصدى)

ان الرهان على الوقت فوق رمال متحركة بعد أن عادت حدة المواجهات العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران لتطفو على السطح بعد انهيار “مذكرة تفاهم إسلام آباد” والهدنة الهشة. في خضم هذا التصعيد، تُروج الماكينة الإعلامية والمسؤولون الإيرانيون لسردية “قدرة النظام على الصمود لسنتين كاملتين في حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة”. غير أن تفكيك هذه البروباغندا يستلزم فحصاً بنيوياً عميقاً للمؤشرات الاقتصادية، والتناقضات السوسيوسياسية لـ”الدولة الثيوقراطية”، ومدى واقعية خيارات صانع القرار في طهران، وصولاً إلى فحص ارتدادات هذا الزلزال المفترض على الجار العراقي المثقل بأزماته الهيكلية في عهد رئيس وزرائه الجديد علي الزيدي.

أولاً: مقومات الصمود الاقتصادي والمعيشي.. “اقتصاد المقاومة” في النزع الأخير

* عنق زجاجة النفط: لم يعد الحصار البحري العقابي مجرد عقوبات ورقية؛ بل تحول تحت إدارة دونالد ترامب الثانية إلى “حصار مطبق” واعتراض مباشر للناقلات في الممرات المائية والموانئ. هذا الخنق اللوجستي أفقد طهران تدفقات النقد الأجنبي الحيوية لتمويل السلع الأساسية.

* تدبير الاحتياجات المعيشية: تواجه الحكومة الإيرانية عجزاً بنيوياً في الحفاظ على شبكات الأمان الاجتماعي؛ حيث يلتهم التضخم الجامح وتهاوي قيمة التومان القدرة الشرائية للمواطن الإيراني. طهران لا تملك ترف الوقت أو الاحتياطيات النقدية الكافية لتمويل “بطاقات تموينية” أو دعم لوجستي لشعب يعيش أكثر من نصفه تحت خط الفقر المطلق، مما يجعل فكرة “صمود السنتين” انتحاراً اقتصادياً غير قابل للتطبيق ميدانياً.

– ثانياً: تماسك بنية النظام الديني.. الشروخ العمودية وتحدي البقاء

* صلابة أيديولوجية مهزوزة: تقوم بنية النظام الإيراني على هرمية “ولاية الفقيه” وسيطرة الحرس الثوري (IRGC). رغم المظهر الخارجي المتماسك، يعاني النظام من شروخ عمودية وأفقية صامتة تغذيها الخلافات حول مرحلة ما بعد القيادة العليا الحالية.

* سيناريو التفكك التدريجي: النظام يواجه معضلة “الشرعية المزدوجة” الثيوقراطية مقابل الجمهورية ،،مع تآكل الشرعية الشعبية وتحول النظام إلى “أوليغارشية عسكرية-دينية”، يفقد النظام مرونته التاريخية. فرصة البقاء ومقاومة الانهيار تقل كلما طال أمد الحصار، حيث يتحول التآكل من الأطراف (المحافظات النائية والأقليات) إلى قلب المركز السياسي.

* آليات قمع الاحتجاجات: إذا ما اندلعت احتجاجات شعبية عارمة مدفوعة بالإنهاك المعيشي، فإن الخيار الجاهز والوحيد للنظام هو “القمع المطلق والوحشي” عبر الباسيج والأجهزة الأمنية. لكن مع وجود استنزاف عسكري خارجي وضغوط حصار بحري، قد تواجه الأجهزة الأمنية أزمة ولاء وإنهاك لوجستي يمنعها من السيطرة الكاملة على جغرافيا واسعة ومتفجرة.

 

ثالثاً: خيارات صانع القرار الإيراني.. المناورة تحت خط النار
لم يتبقَّ أمام المخطط الاستراتيجي الإيراني سوى حزمة ضيقة من الخيارات الواقعية المريرة:

1. استراتيجية حافة الهاوية وهندسة الفوضى الملاحية: تفعيل أوراق الضغط الإقليمية عبر توجيه حلفائها (كالحوثيين) لتهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لرفع أسعار الطاقة العالمية والضغط على الأسواق الغربية.

2. التنازل التكتيكي المشروط: محاولة العودة إلى طاولة المفاوضات عبر وسطاء إقليميين لتقديم تنازلات نووية وإقليمية جوهرية مقابل رفع جزئي ومؤقت للحصار البحري.

3. تجرع سم الصبر الاستراتيجي المكلف: تحمل الضربات الموضعية للحظر والبنية التحتية مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة تطيح برأس النظام، انتظاراً لتبدل المعطيات السياسية الداخلية في واشنطن.

 

رابعاً: فرضية سقوط النظام الإيراني وعراق “الزيدي”. ما هي ارتدادات الزلزال؟

تتداخل الساحة العراقية عضوياً مع أي تحول استراتيجي في طهران. وفي عهد رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي (الذي تولى السلطة في مايو 2026)، يبدو المشهد شديد الحساسية:

محور التقييم الجيوسياسي واقع المشهد العراقي تحت قيادة “الزيدي” والتأثر بالعمق الإيراني 

– التأثير المالي والاقتصادي | تعاني المالية العامة من ضغوط شديدة وهشاشة مؤقتة. ورغم نفي الحكومة القاطع للإفلاس الرسمي، فإن أي انهيار لإيران سيقطع مبيعات الغاز والطاقة الحيوية ويهدد الاستقرار المصرفي والمالي العراقي المترابط مع شبكات طهران.
– مصير الفصائل وسلاح الميليشيات يسعى السيد الزيدي في واشنطن لخط فاصِل عبر حصر السلاح بيد الدولة ووضع جدول زمني لتفكيك الفصائل. لكن في حال سقوط النظام الإيراني، قد تنقسم هذه الميليشيات بين “انفلات عقائدي مسلح” يهدد بتفكيك الدولة، أو الرضوخ القسري لانتفاء خط الإمداد والتمويل الطهراني.
( مركز قوة رئيس الوزراء وهيكلية الدولة ) يفتقر رجل الأعمال الشاب علي الزيدي لكتلة برلمانية ضخمة تسنده ،وتآكل النفوذ الإيراني قد يضعف خصومه من قوى الإطار التقليدية، لكنه في الوقت ذاته يرمي بالعراق في آتون فراغ أمني مرعب يصعب على حكومة تفتقر لعمق سياسي عسكري وتعاني من تشققات في النسيج الوطني وحساسيات جهوية وطائفية مواجهته دون غطاء دولي.

(هل تنفع محفزات ترامب وحدود الدعم ؟ ) يحظى الزيدي بدعم واضح من إدارة ترامب تحفيزاً لدمج العراق في المنظومة الاستثمارية الغربية عبر صفقات طاقة عملاقة وعقود بنية تحتية (مثل صندوق التنمية والاتفاقات مع الشركات الأمريكية) لتقليل الاعتماد المالي والنفطي العراقي على الجغرافيا الإيرانية ومضيق هرمز. ومع ذلك، هذه المحفزات الاقتصادية الغربية وحدها لا تكفي لاستمراره إذا لم ينجح داخلياً في لجم الفساد الكارثي وحماية السلم الأهلي من شظايا السقوط الإيراني المجاورة.

الخاتمة: حتمية الانكشاف الاستراتيجي

إن الادعاء الإيراني بالقدرة على الصمود لعامين ليس سوى مناورة خطابية لتأخير الانكشاف الاستراتيجي الشامل. بنية النظام السياسية والاقتصادية باتت أضعف من أن تتحمل وطأة حصار بحري ممتد وحرب استنزاف تكنولوجية واقتصادية شاملة. الخطورة الكبرى تكمن في أن تداعي أحجار الدومينو في طهران لن يتوقف عند حدودها، بل سيمتد ليعصف بالبنيان السياسي العراقي الهش، مضعفاً مراكز القوة الناشئة في بغداد، ومحولا “المحفزات الأمريكية” إلى مجرد مسكنات موضعية في جسد دولة تواجه خطر التفكك والفساد الهيكلي. 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى