الأكاديمي العراقي البارز ا.د كريم فرمان يكتب للصدى : من يريد تفجير عُمان.. يفجر التاريخ!

في عالم السياسة المتلاطم، تخرج أحياناً من عاصمة القرار الدولي تصريحات طائشة تتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، وتحمل في طياتها لغة التهديد والوعيد. ولعل التهديدات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان تمثل سقطة سياسية كبرى، وجهلاً فاضحاً بجغرافيا المنطقة وتاريخها ويحز في نفسي انا الذي تعلمت واكملت دراساتي العليا في الولايات المتحدة وفي اهم جامعاتها التي تخرج منها العلماء ونوابغ القانون والادارة والسياسة ان ارى مثل هذا الجهل والعنجهية. إن من يهدد بتفجير عُمان، لا يدرك أنه يحاول تفجير التاريخ نفسه، ويهدد العقدة المركزية للاستقرار والاتزان الأخلاقي في الشرق الأوسط ،فهل يعلم فخامة الرئيس ترامب ان أسد البحار احمد بن ماجد السعدي أشهر بحار في التاريخ وأول من وضع خرائط ملاحية للمحيط الهندي وطور البوصلة البحرية او الإبرة المعناطيسية،هو عماني! وهل قرأ السيد ترامب عن البحار العماني ابن القاسم اول بحار عربي يصل الصين من عمان ، وهل سمع الرئيس عن الخليل بن أحمد الفراهيدي،وعن الأزديان القبيلة العربية الأصيلة التي ينتمي لها سلاطين الأسرة البوسعيدية وهما ابن دريد صاحب معجم جمهرة اللغة وابن الذهبي الطبيب والفيزيائي العماني الذي هاجر إلى الأندلس و مؤلف كتاب الماء، وأن الشاعر الشهير البهلاني شاعر العلماء وعالم الشعراء عماني!.
هذه إمبراطورية سيادة الرئيس،قد أضاءت الشرق وصافحت الغرب،وأن السلطان أحمد بن سعيد البوسعيدي اسس اسرة عظيمة اسست امبراطورية في شرق افريقيا لا تغيب عنها نصف الشمس !
عُمان ليست مجرد نقطة على الخارطة السياسية، بل هي كيان إمبراطوري عريق ضربت جذوره في أعماق التاريخ قبل أن تولد الولايات المتحدة الأمريكية بقرون ، هذه الدولة العظيمة هي التي أضاءت حضارتها شرق إفريقيا، ونشرت قيم التجارة ومهنة البحار والتعايش والتسامح الديني وسطرت بأساطيلها مجداً بحرياً لا يُنسى في المحيط الهندي.
حينما كانت أمريكا دولة ناشئة تبحث عن اعتراف دولي، كانت مسقط منارة للسيادة. ومن يقرأ التاريخ يعلم أن أول سفينة عربية شراعية (“سلطانة”) خطت عباب المحيطات قادها البحار العماني احمد الكعبي لتصل إلى ميناء نيويورك عام 1840، فلم تكن تحمل مدافع أو مسيرات و نوايا عدوانية، بل كانت محملة باللبان العُماني الفاخر، والسجاد الأصيل، والهدايا القيمة المرسلة من سلطان عُمان إلى رئيس الولايات المتحدة ائنذاك Martin Van Buren ,مارتن فان بيورن، تلك الرحلة أسست لأقدم العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن والعالم العربي، وهي علاقة بنيت على الندّية والاحترام المشترك، لا على الاستعلاء والتهديد.
كيف يطاوعك قلبك لمجرد التهديد بتفجير واحة السلام ومطفئة الحروب
في منطقة تحترق بالنزاعات وتتجاذبها محاور الحروب . لقداختارت عُمان دائماً أن تكون “حمامة السلام” والوسيط النزيه الذي يثق به الجميع اذ قادت مسقط، عبر مساعيها الحميدة ومواقفها المحايدة، جهوداً مضنية لنزع فتيل أزمات دولية وإقليمية كبرى كادت أن تعصف بالمنطقة وتستنزف طاقات وموارد شعوبها. إن تهديد هذا البلد الحكيم هو تقويض لأهم قنوات الحوار العقلاني في العالم، ودفع بالمنطقة نحو فوضى لا تبقي ولا تذر.
( عُمان هيثم.. سلطان لا يُظلم عنده أحد)
هذه السياسة الراسخة يقودها اليوم بحكمة واقتدار جلالة السلطان هيثم بن طارق سلطان يجمع بين هيبة عمر وحكمة علي وحلم معاوية ويسير على نهج البناء والتطوير الداخلي مع الحفاظ على دور عُمان الخارجي كمنارة للتعايش ويترسخ في عهده المبدأ العُماني الأصيل بأنه “سلطان لا يُظلم عنده أحد”؛ حيث العدل هو أساس الحكم، والحرص الشديد على كرامة وحقوق كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة، فلا يبيت صاحب حق إلا وحقه مسترد، ولا يُنتقص من قدر إنسان مقيم على أرضها في ظلال قيادته الحكيمة.
عمان هي الإنسان العماني الراقي و شعب البناء والحضارة الإنسانية.
ختاماً، يجب على واشنطن وكل قوى العالم أن تعي طبيعة الشعب العُماني، إنه شعب استثنائي يجمع بين سجايا الكرم الحاتمي، والضيافة الأصيلة، والأدب الرفيع الذي يشهد به القاصي والداني وهم ليسوا شعب طاريء على سفر التاريخ فقد أسهم العُمانيون بقوة في صياغة الحضارة الإنسانية عبر علومهم وتجارتهم وأخلاقهم السامية.
العُمانيون بطبعهم يميلون إلى الهدوء والسكينة، ويسعون دائماً للابتعاد عن المهاترات والمشكلات، مفضلين التفرغ التام لبناء وطنهم ونشر السلام ،لكن هذا الهدوء ليس ضعفاً، بل هو وقار الأقوياء وثقة أصحاب التاريخ العريق. إن عُمان ستبقى عصية على التهديد، شامخة كجبالها، ولن تزيدها الأمواج العاتية إلا رسوخاً وثباتاً.




