الأخبارتكنولوجيامقالات و تحليلات

وجهه هويته: السيادة الرقمية على معابر موريتانيا الذكية / بقلم : السيد ولد السيد

الاعلامي الدولي خبير الذكاء الاصطناعي السيد ولد السيد

لم يعد نهر السنغال يهمس بالقصص القديمة؛ لقد صار يعالج البيانات. عند معبر «روصو» الحدودي، اختفى السؤال التقليدي: «أين أوراقك؟»، وحلّ محلّه توجيه تقني هادئ: «انظر إلى العدسة فقط».

هكذا يتشكّل «الحمض النووي» الجديد للهوية. في ملاحظاته عن عصر الذكاء الاصطناعي، يراقب كيف قفزت موريتانيا فوق عقود من البيروقراطية الورقية لتدخل مباشرة زمن الشبكات العصبية الالتفافية (CNN).
رأى رجلًا يتقدّم نحو النقطة الأمنية؛ كان تجسيدًا حيًا للهوية الموريتانية: يتحدث الحسانية بطلاقة فطرية، وتحمل ملامحه سكينة الصحراء. لأي شرطي بشري، كان «ابن بلد» بلا شك. أمّا بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فلم يكن سوى «متجه احتمالي منخفض» (Low-Probability Vector).

استخدم الشرطي هاتفًا ذكيًا عاديًا يعمل بمحرك لاستخراج القياسات الحيوية. في أقل من ثانية، نزعت المنظومة عن الرجل سحره الشخصي، وحوّلت وجهه إلى 80 نقطة عقدية.

حسبت الخوارزمية بدقة متناهية المسافة الإقليدية بين حدقتيه وعرض أرنبة أنفه، ثم قارنت هذا «التوقيع الرقمي» بقاعدة البيانات الوطنية.

جاءت النتيجة باردة وحاسمة: «لا يوجد تطابق». الخوارزمية لا تفهم اللهجات ولا تنخدع بالملامح؛ هي لا تعرف سوى «الهاش» الرقمي. أُعيد الرجل فورًا، لا بقرار انفعالي، بل بحكم حسابي قاطع.

بنية الحارس غير المرئي

يُطرح السؤال: لماذا تُمنَح الآلة ثقة تفوق الحدس البشري؟

لأن البشر يقعون أسرى «تأثير الهالة» (Halo Effect)، حيث يميلون إلى الثقة بمن يشبههم. أمّا الذكاء الاصطناعي فيعمل وفق «هندسة انعدام الثقة المطلق» (Zero-Trust Architecture)، محوّلًا الملامح إلى شيفرة رياضية غير قابلة للتزوير.

ما وراء العدسة: أدوات الاستخبارات لعام 2026

فهل ستمتد هذه الثورة اليوم من النهر إلى مطار نواكشوط أم التونسي الدولي، حيث يتحول الجسد ذاته إلى جواز سفر:

بصمة القزحية (Iris Topography): استخدام الأشعة تحت الحمراء لرسم خرائط الأودية الفريدة في العين، وهي بصمة أكثر استقرارًا من بصمات الأصابع.

تحليل المشية (Gait Analysis): نماذج ذكاء اصطناعي تتعرّف إلى الهوية من مسافة تصل إلى 100 متر عبر «توقيع» الحركة الهيكلية أثناء المشي.

القياسات الحيوية السلوكية (Behavioral Biometrics): تحليل إيقاع النقر، أي النمط الفريد لضغط الشاشة أو سرعة استجابة الأصابع عند الكتابة.

كشف الحيوية (Liveness Detection): مستشعرات ترصد نبضات القلب وحرارة الجلد لضمان أن الوجه ليس قناعًا ثلاثي الأبعاد أو «ديب فيك» (Deepfake).

في موريتانيا اليوم، لم تعد الهوية وثيقة تُحمل في الجيب، بل سمة تُرتدى في العينين والمشية.
لم تعد الحدود خطًا في الرمال، بل عملية حسابية في «السحاب». هويتك هي وجهك!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى