الأخبارمقالات و تحليلات

 أمريكا وإيران.. تصعيد محسوب واستنزاف متبادل في انتظار تسوية مؤجلة/أحمد ولد الدوه

تحليل:

لم يعد المشهد بين الولايات المتحدة وإيران يُقرأ بمنطق الحرب التقليدية أو السلام المستقر، بل أصبح محكومًا بمعادلة أكثر تعقيدًا، عنوانها “الردع المتبادل والاستنزاف المستمر.”

 

فلا واشنطن تبدو راغبة في خوض حرب شاملة قد تُشعل “الشرق الأوسط” وتُربك الاقتصاد العالمي، ولا طهران مستعدة لتقديم تنازلات تُفسَّر على أنها هزيمة سياسية أو استراتيجية.

 

التطورات الأخيرة تؤكد أن الطرفين انتقلا من مرحلة المواجهة المباشرة إلى إدارة صراع طويل الأمد، تُستخدم فيه العقوبات الاقتصادية، والانتشار العسكري، والضغوط السياسية، والرسائل الأمنية، بدلًا من المواجهات المفتوحة. 

 

وفي هذا السياق، يظل مضيق هرمز أحد أخطر بؤر التوتر، حيث يمكن لأي حادث محدود أو خطأ في الحسابات أن يتحول إلى أزمة إقليمية واسعة.

 

وتسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي عبر تعزيز وجودها العسكري، وتشديد الضغوط الاقتصادية، وإبقاء إيران تحت وطأة الاستنزاف، مع ترك باب التفاوض مفتوحًا إذا ما تغيرت الظروف. 

وفي المقابل، تعتمد طهران سياسة “الصبر الاستراتيجي”، مقرونة بإظهار قدرتها على الرد وإثبات أن الضغوط لن تدفعها إلى التخلي عن أوراق قوتها الإقليمية أو برنامجها النووي.

 

أما المبادرات المتبادلة:وما يُثار حول مطالب إيرانية تتعلق برفع العقوبات أو الحصول على تعويضات، فإنها تبدو حتى الآن أقرب إلى رسائل تفاوضية منها إلى مشروع اتفاق حقيقي. فالعلاقات بين الدول تُبنى على موازين القوة والمصالح، وليس على الرغبات السياسية وحدها، وهو ما يجعل أي تسوية شاملة بحاجة إلى تنازلات متبادلة لا تبدو ملامحها قريبة في الوقت الراهن.

اقتصاديًا: يبقى النفط أحد أبرز أدوات التأثير في هذا الصراع. فكل تصعيد في الخليج ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وأسواق المال، ويزيد المخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية. وبينما تمتلك الولايات المتحدة قدرة أكبر على التكيف مع تقلبات سوق الطاقة مقارنة بغيرها، فإن استمرار التوتر لفترات طويلة يظل عاملًا ضاغطًا على الاقتصاد العالمي بأسره.

 

ومن هنا، فإن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة يمكن وصفها بـ”اللاحرب واللاسلم”. مواجهة مفتوحة ليست في مصلحة أي من الطرفين، وسلام شامل لا تزال تحول دونه ملفات شائكة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والنفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة في الخليج.

 

ويبقى الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو استمرار سياسة التصعيد المحسوب، حيث تُدار الأزمة ضمن سقف يمنع الانفجار الكبير، لكنه لا يمنع اندلاع مواجهات محدودة أو أزمات متكررة. وفي ظل هذا الواقع، ستظل منطقة الشرق الأوسط تعيش على وقع توازن هش، يتأرجح بين الردع والاستفزاز، وبين الدبلوماسية والتهديد، في انتظار تسوية قد تتأخر، لكنها تظل الخيار الأقل كلفة للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى