السراب السني : لماذا لا تقاتل باكستان وتركيا دفاعاً عن أمن الرياض؟ / بقلم : ا.د كريم فرمان
منذ ساعتين
93
ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا
تبحث هذه الدراسة في مدى فاعلية التحالفات العسكرية والأمنية المشتركة للمملكة العربية السعودية مع باكستان وتركيا في حماية أمنها القومي من تهديدات الحرس الثوري الإيراني وأذرعه الإقليمية (الحوثيين وميليشيات الحشد الشعبي).
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن هذه التحالفات تتسم بالهشاشة البنيوية، ولا يمكنها الصمود أمام تعقيدات الصراع في منطقة الخليج العربي؛ نظراً للمصالح البراغماتية والقيود الجيوسياسية الحادة التي تكبل كلاً من إسلام آباد وأنقرة وتدفعهما لاسترضاء طهران.
وتخلص الورقة إلى ضرورة عدم بناء صانع القرار السعودي لآمال واسعة على هذه الشراكات الإقليمية، والتركيز بدلاً من ذلك على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، والتمسك بالتحالف الاستراتيجي الصلب مع الولايات المتحدة وأوروبا لكونه المظلة الوحيدة التي تمتلك تكنولوجيا الردع الفعال لحماية ممرات الطاقة والأمن الإقليمي.
مــــــــــــــدخل .
تتأرجح العلاقات الدولية بين عاطفية “الهوية” البنيوية وبراغماتية “المصلحة” الواقعية. وفي خضم التحولات الجيوسياسية العنيفة التي تشهدها منطقة الخليج العربي، يبرز تساؤل محوري حول مدى فاعلية التحالفات العسكرية والأمنية المشتركة للمملكة العربية السعودية مع قوتين إقليميتين مسلمتين هما باكستان وتركيا؛ وهل يمكن لهذه المظلة العسكرية المفترضة أن تشكل حائط صد حقيقي لحماية الأمن القومي السعودي من التهديدات العابرة للحدود التي يشنها الحرس الثوري الإيراني وأذرعه كجماعة الحوثي وميليشيات الحشد الشعبي العراقي؟
تطرح هذه الورقة فرضية واقعية: إن الرهان على أنقرة وإسلام آباد في مواجهة التمدد الإيراني هو رهان على “تحالفات هشة” لن تصمد أمام تعقيدات وتشابكات الصراع الإقليمي. وتجادل الدراسة بأن الدولتين لا تريان في مظلة التعاون مع الرياض سوى شريان حياة اقتصادي، مما يفرض على صانع القرار السعودي عدم بناء آمال استراتيجية واسعة عليها، والتمسك بالتحالفات التقليدية الصلبة مع الولايات المتحدة وأوروبا لتأمين العمق الاستراتيجي للمملكة.
تتحرك السياسة الخارجية الباكستانية تجاه الشرق الأوسط تحت وطأة أزمات داخلية خانقة وضغوط جيوسياسية حادة. ورغم العمق التاريخي والروحي للعلاقات السعودية الباكستانية، فإن تبني إسلام آباد لمفهوم “الواقعية السياسية” (Political Realism) يجعل من المستحيل عليها الانخراط في صراع عسكري مباشر ضد إيران لصالح أي طرف:
استرضاء الجار الإيراني: تشترك باكستان مع إيران في حدود برية مضطربة في إقليم بلوشستان. وفي ظل الصراع التاريخي المستدام مع الهند، والخاصرة الأفغانية الرخوة، يستميت قادة الجيش والسياسة في باكستان لاسترضاء طهران لمنع تحول الحدود الغربية إلى جبهة استنزاف أمنية وعسكرية جديدة. وفي هذا السياق، يشير الباحث ريتشارد ويرسينغ إلى أن “معضلة الأمن الباكستاني ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعدم قدرة إسلام آباد على تحمل جبهة صراع ثالثة على حدودها المعقدة مع إيران“.
الفيتو الطائفي الداخلي: تمثل الطائفة الشيعية في باكستان كتلة ديموغرافية وازنة تتراوح بين 15% إلى 20%. وأي انخراط عسكري باكستاني ضد إيران أو ميليشياتها سيترجم فوراً إلى تفجير للاحتقان الطائفي الداخلي، وهو خط أحمر لا يمكن للمؤسسة العسكرية في إسلام آباد تجاوزه لحماية سلمها الأهلي الهش.
البراغماتية الاقتصادية والعقيدة العسكرية المقيدة: تنظر باكستان إلى الرياض كداعم مالي لإنقاذ ماليتها العامة مقابل تقديم خدمات تدريبية واستشارية دفاعية داخل أراضي المملكة فقط. وقد تجلى هذا بوثيقة تاريخية عندما رفض البرلمان الباكستاني بالإجماع المشاركة في حرب اليمن عام 2015. ويؤكد الخبير الاستراتيجي بروس ريدل أن “العلاقة الأمنية بين الرياض وإسلام آباد لطالما كانت محكومة بحسابات مالية باكستانية؛ حيث يرفض الجيش الباكستاني بشكل قاطع تحويل قواته إلى أداة لمواجهة المحاور الإقليمية خارج حدوده“.
ثانياً: براغماتية أنقرة المتقلبة.. عقود الغاز وأوراق الضغط الاستراتيجية.
على الجانب الآخر، تدار السياسة الخارجية التركية تحت قيادة رجب طيب أردوغان بمبدأ المناورة اللحظية وتعظيم المكاسب، وهي سيناريوهات متقلبة لا يمكن الالتزام بها كضمانة أمنية مستدامة:
تشابك المصالح التركية الإيرانية: ترتبط تركيا بعلاقات جيوسياسية واقتصادية عميقة مع طهران، لعل أبرزها الاعتماد على الغاز الإيراني، والاستمرار في التنسيق في الملف الكردي شمالي العراق وسوريا. وتؤكد الباحثة مليحة التونيشيك أن تركيا وإيران تمارسان سياسة “التعاون التنافسي الحذر، حيث تضع أنقرة الحفاظ على أمن الطاقة والملف الكردي كأولوية تمنعها من الانخراط في أي ترتيبات دفاعية خليجية موجهة ضد الحرس الثوري الإيراني“.
التقارب المالي الموقّت: إن الانفتاح التركي الحالي على الرياض ليس مدفوعاً برغبة في محاربة نفوذ الحرس الثوري، بل هو نتاج “براغماتية اقتصادية” بحتة لإنقاذ الاقتصاد التركي عبر الاستثمارات والودائع السعودية لدعم الليرة. ويوضح الباحث هاكان يافوز في أحدث أبحاثه أن “التقلبات البنيوية في السياسة الخارجية لأردوغان تعكس نقاط الضعف الاقتصادية المحلية؛ فالشراكات الأمنية المؤقتة بالنسبة لأنقرة هي مجرد أدوات تكتيكية لجلب رؤوس الأموال الخليجية وليست التزامات أمنية أيديولوجية“.
الرفض الضمني لمواجهة الميليشيات: لن يرسل أردوغان جندياً تركياً واحداً لمواجهة مسيرات الحوثيين أو الصواريخ الباليستية للحشد الشعبي في العراق، بل سيستخدم ورقة “التحالف العسكري” مع السعودية كأداة ضغط استراتيجية لتحسين شروط تفاوضه مع طهران وموسكو في ملفات أخرى.
4. التزامات الدفاع المشترك (المادة 5): لا تلزم بنود الحلف بقية الأعضاء بالدفاع عن تركيا إذا انخرطت في عمليات عسكرية هجومية مستقلة خارج حدود الناتو، مما يضع عبء المخاطرة والتبعات الأمنية على أنقرة وحدها دون غطاء جماعي.
ثالثاً: شبكة الصراع المعقدة وسراب التضامن “السني“
تسقط فرضية التحالف الإسلامي السني المشترك فور اصطدامها بطبيعة التهديدات الحالية في المنطقة، والتي تتجاوز أنماط الحروب التقليدية:
حروب الوكالة واللامركزية (Asymmetric Warfare): التهديدات القادمة من الحوثي والحشد الشعبي تعتمد على الطائرات المسيرة وحرب العصابات والصواريخ الذكية العابرة للحدود. وفي هذا الصدد، يؤكد تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بصوت الباحث سيث جونز أن “طبيعة التهديد الذي تشكله شبكات وكلاء إيران اللامتناظرة تعتمد على تكنولوجيا مرنة واختراقات صاروخية تعجز الجيوش التقليدية الكلاسيكية – كجيش تركيا أو باكستان – عن التعامل معها أو ردعها عبر الاتفاقيات الدفاعية التقليدية“.
تداخل ملفات المنطقة: إن تشابك خيوط اللعبة من صنعاء إلى بغداد ودمشق يجعل أي تحرك عسكري عابر للحدود بمثابة انتحار دبلوماسي لباكستان وتركيا، اللتين تفضلان النأي بالنفس أو القيام بدور الوسيط بدلاً من دور الشريك العسكري الفعلي.
خاتمة المقال والتوصية الاستراتيجية
يخلص هذا التحليل السياسي إلى ما يلي :
“المظلة الإسلامية السنية” هي مجرد سراب سياسي ومفهوم عاطفي لا مكان له في حسابات القوى الكبرى بالمنطقة.
إن كلاً من تركيا وباكستان تتحركان وفق مصالحهما الاقتصادية والأمنية الضيقة، ولن تضحيا بعلاقاتهما التاريخية والجيوسياسية مع طهران دفاعاً عن أمن الخليج.
بناءً على ذلك، يجب على صانع القرار في المملكة العربية السعودية إعادة ضبط بوصلة التحالفات وفق معايير “الواقعية الصارمة“:
* أولاً: عدم بناء آمال عريضة أو رهن الأمن القومي بتعهدات عسكرية من قوى إقليمية متقلبة كتركيا أو مكبلة أمنياً وطائفياً كباكستان.
* ثانياً: الاعتماد على الشراكة الاستراتيجية الأساسية مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الكبرى. ويدعم الخبير العسكري أنتوني كوردسمان هذا التوجه بالقول إن “ميزان القوى العسكري والتقني في الخليج يثبت أن تكنولوجيا الردع الغربية (منظومات الدفاع الجوي المتطورة، التكنولوجيا الاستخباراتية والأقمار الصناعية) تظل المظلة الحقيقية الوحيدة القادرة على حماية ممرات الطاقة الحيوية ولجم طموحات طهران الإقليمية“.
* ثالثاً: تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية للمملكة كركيزة أساسية لا غنى عنها، فالأمن القومي يُبنى بالقوة الذاتية والتحالفات الدولية الصلبة التي تتقاطع مصالحها مع استقرار الاقتصاد العالمي، لا بالوعود الواهية للدول التي تبحث عن مكاسب اقتصادية عابرة.