الأخبارفضاء الرأي

المهندس. أحمد ولد أعمر يكتب : حين تتحول الهدية إلى حلم جيل كامل… إلى أين نذهب بأبنائنا؟

من الإنصاف أن نبدأ بالشكر.
لقد استطاع المشهور السعودي خالد العليان، من خلال حضوره وتفاعله مع المجتمع الموريتاني، أن يقدم لمتابعيه صورة جميلة عن موريتانيا، وأن يُظهر جوانب من كرم أهلها وبساطتهم وعاداتهم وقيمهم الأصيلة.
وهي صورة تستحق التقدير، خصوصًا أنها ساهمت في كسر بعض الصور النمطية السلبية التي ساهم، للأسف، بعض مشاهير التواصل الاجتماعي الموريتانيين أنفسهم في ترسيخها، حين جعلوا الاستثناء قاعدة، والتفاهة واجهة، والمبالغة وسيلة لجذب المشاهدات.
لذلك، فالشكر لخالد العليان، والشكر كذلك لكل من ساهم في مساعدته على اكتشاف الوجه الجميل لموريتانيا وتقديمه للآخرين.
كما نهنئ بكل صدق الشاب الموريتاني الذي حالفه الحظ وحصل على تلك الهدية القيمة. ففرحته مشروعة، ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول الظاهرة إلى انتقاص منه أو من سعادته.
لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد انتهاء لحظة الفرح.
هل يدرك خالد العليان حجم الصورة التي تركها خلفه في عقول آلاف الشباب الذين هم في عمر ذلك الشاب؟
كم شابًا عاد إلى بيته وهو يقول في نفسه: لماذا لم أكن أنا؟
وكم مراهقًا سيعتقد من اليوم أن الهاتف قد يكون أقصر طريق إلى سيارة أو مال أو شهرة؟
وكم واحدًا منهم سيقضي ساعات إضافية على تيك توك وإنستغرام وسناب شات، يلاحق المشاهير، وينتظر وصولهم، ويحاول الظهور أمام كاميراتهم، لعل الحظ يطرق بابه هو الآخر؟
هنا تتحول المسألة من هدية لشاب واحد إلى رسالة غير مقصودة لجيل كامل.
فالطفل والمراهق لا يقرآن المشهد كما يقرؤه الراشد. إنهما يريان النتيجة: شاب عادي اقترب من مشهور، ظهر معه، ثم عاد بجائزة ثمينة يشاهدها الناس ويتحدثون عنها.
وفي المقابل، ماذا يرى الشاب في طريق الدراسة؟
سنوات من المدرسة، ثم الجامعة، ثم التدريب، ثم البحث عن العمل، ثم سنوات أخرى حتى يستطيع ربما شراء ما رآه يُمنح في لحظة أمام عدسة هاتف.
وهنا تكمن خطورة المقارنة.
لسنا ضد الهدية، ولسنا ضد خالد، ولسنا ضد وسائل التواصل الاجتماعي. وإنما نحن أمام سؤال تربوي واجتماعي أكبر من الأشخاص:
أي نموذج للنجاح نقدمه لأبنائنا؟
لقد أصبحت أجيالنا محاصرة بجاذبية كرة القدم، والمطربين، والمؤثرين، والمشاهير، والألعاب والمنصات الرقمية. وكل واحد من هؤلاء يقتطع جزءًا من وقت الشاب وتركيزه.
ثم جاء تيك توك بمنطق أكثر إغراءً: المشاهدات تتحول إلى مال، والانتشار إلى هدايا، والجدل إلى شهرة، وأحيانًا تصبح التفاهة نفسها سلعة رابحة.
والآن يدخل عنصر آخر أشد تأثيرًا: هدية مادية كبيرة وحقيقية، أمام أعين مجتمع كامل.
عندها قد يقول الشاب في داخله: لماذا أدرس عشر سنوات إذا كان الهاتف قد يفتح لي بابًا أسرع؟
وهذا بالضبط ما يجب أن نتوقف عنده.
ليس المطلوب إغلاق وسائل التواصل أمام الشباب، ولا مهاجمة المشاهير، وإنما أن نعيد التوازن إلى منظومة القدوة والحوافز.
كم سيكون المشهد أجمل لو أن الشهرة نفسها أصبحت وسيلة لتكريم المتفوقين في المدارس، وأصحاب الابتكارات، وحفظة القرآن، والمبرمجين الشباب، والرياضيين المجتهدين، وأصحاب المبادرات التطوعية؟
تخيلوا لو أن جائزة بهذه القيمة قُدمت لشاب موريتاني ابتكر تطبيقًا، أو لطالبة تفوقت في دراستها، أو لشاب أسس مشروعًا صغيرًا بجهده.
عندها ستبقى الفرحة نفسها، وستبقى المشاهدات نفسها، وربما يزداد الإعجاب، لكن الرسالة التي تصل إلى آلاف الأطفال ستكون مختلفة تمامًا:
اجتهد… فقد يكون النجاح طريقك إلى التقدير.
بدلًا من:
تابع… واقترب… وانتظر أن يحالفك الحظ.
وهنا لا أحمل خالد العليان مسؤولية أزمة اجتماعية لم يصنعها، ولا أحمّله نتائج منظومة رقمية عالمية أكبر منه. بل إن ما قدمه لموريتانيا من صورة إيجابية يستحق الشكر والتقدير.
لكن قوة التأثير تخلق، من حيث ندري أو لا ندري، قدرًا من المسؤولية.
فمن يستطيع أن يجذب خلفه مئات الآلاف من الشباب يستطيع أيضًا أن يوجه جزءًا من هذا الضوء نحو العلم والعمل والإبداع.
نريد من المشاهير الذين يحبهم أبناؤنا أن يفرحوهم، نعم؛ لكننا نريد منهم أيضًا أن يساعدونا على بناء أحلامهم، لا أن يصبح الحظ مشروع حياتهم.
ونريد من الأسرة والمدرسة والإعلام والدولة أن تدرك أن المنافسة اليوم على عقل الطفل لم تعد تجري داخل الفصل الدراسي وحده.
هناك شاشة صغيرة في يده، يقف خلفها مشاهير العالم، ويتنافسون جميعًا على أثمن ما يملكه:
وقته، وانتباهه، وطموحه.
لذلك، بعد الشكر لخالد العليان، وبعد التهنئة للشاب الذي أسعده الحظ، يبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا نحن قبل أن نطرحه على أي مشهور:
إذا أصبح أبناؤنا يحلمون بمن سيقابلون أكثر مما يحلمون بما سيصبحون… فإلى أين نحن ذاهبون بأجيالنا؟
المصدر : صفحة الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى