أخبار موريتانياالأخبارالصدى الثقافي

أحمد هارون  ولد الشيخ سيديا يكتب  عن حياة وتجربة محمد ولد مولود ولد داداه “الشنافي”

تبدّت لي، قبل أيام، وسْطَ منشورات الفيسبوك، هذه الصورة المرفقة لأستاذ الأُستاذِينَ، محمد ولد مولود ولد داداه. وما أذكر أن صورة قد حدّثتني عن صاحبها مثلما فعلَتْ هذه.
محمدٌ جالس على حصير تقليدي في بيته المتواضع بعين السلامة. يلبس “درّاعته” البسيطة الزرقاء الفاتحة. ركبةٌ مرفوعة أُسنِدت إليها ذراعه، ورداء أسود أصيل ملقى على الوسادة، ورأسٌ منحنٍ نحو كتاب يكاد يمَس صفحاته، وشعْر خالطه الشيب مسرّحٌ إلى الخلف بعفوية. أما عيناه فلا شأن لهما بالصورة ولا بالمصوِّر. ولعله لم يشعر بهما أصلا.
وبما أنني لم أرَ الصورة من ذي قبل، توقفت قليلا عندها ثم مضيت. لكن الصورة لم تمض، وإنما تتابَعَ نشرها على أكثر من صفحة؛ لأدرك، بعد حين، أن ظهورها كان بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لرحيل محمد. وعندها عدت إلى الصورة.
لا شيء مصنوع ليدل على شيء. ومع ذلك، التقط هذا المصور، من حيث لا يدري، سيرة!
ليس في المشهد مكتب ولا مكتبة ولا قلم ولا هيئة أُعدت لتقول لنا: هذا عالِـم… هذا أكبر مثقف جالسناه على الإطلاق! بل لعل كل ما يمكن أن نضيفه إلى الصورة ينقص منها.
وقد تذكرتُ، وأنا أنظر إلى الصورة، وهذا من باب الأمانة، أن الدكتور إزيد بيهْ ولد محمد محمود سبق أن جسد لنا بقلمه جزءا آخر من الصورة يكاد يكون موازيا تماما للجزء الذي التقطه مصورنا الفوتوغرافي هذا. فقد وصل الدكتور إلى منزل محمد فرأى أمامه صناديق خشبية كثيرة، على كل منها اسم الرجل وعنوانه وقائمة بما فيها من كتب ومجلات، قادمة من جهات شتى. ثم دخل فإذا رائحة الورق والكتب والمواد الحافظة تملأ المكان.
وفعلا، لم تكن المكتبة غرفة من غرف محمد أو جزءا من يومياته؛ وإنما كانت حياة الرجل قد أخذت هيئة مكتبة!
وها هو محمدٌ الذي عرف الإدارة والدبلوماسية والمناصب، وعواصم الدنيا ومهود الحضارات، والمنظمات الدولية، قد جلس عقودا من الزمن في ركن قصي من الوطن وليس في يده أو قلبه أو همته شيء من كل ما مر به. والأهم في هذا المقام هو هيئة الرجل أمام المعرفة؛ وتلك الانحناءة بالذات.
إنها ليست -قطعا- بانحناءة شيخ ضعيف البنية أثقله العمر يومئذ، ولا بانحناءة أستاذ محظرة أو طالبها لم تدخل الطاولة بعدُ والكراسي في دائرة عاداته وأدواته؛ وإنما هي انحناءة قارئ يقترب من الصفحة ويبتعد عما سواها.
من هنا يبدأ محمد الذي أشتهي أن أعرِّف به؛ مع يقيني التام بأن السبل ستتفرّق بي وبالقارئ: إلى محمد المؤرخ، ومحمد اللغوي، إلى الخبير بالفضاء الصحراوي، والقارئ الجاد للمخطوطات والنقوش والخرائط، والناقد الفكري، والاستراتيجي البارع، أو إلى الرجل الذي يستطيع أن يدخل إلى تاريخ مجتمعٍ من باب موسيقاه، أو طرُقِ تجهيز أباعره وبحثِ أهله عن الماء، أو من نظام الديات المتبع لديه… أما أنا فسأبدأ من عين السلامة.
كانت عين السلامة قريتنا المشتركة. وليست هذه معلومة، بل حسرة. فقد كان في وسعي أن أتمشَّى يوميا إلى محمد، وأن أدخل عليه في أي وقت، وأن أطيل المجلس وأستوقفه عند أشياء كثيرة ودقيقة، وأن أفتح معه أبوابا ظللت أؤجلها. وكان له من العناية بجيلنا التائه ما يجعل سؤاله ومراجعته أسهل علينا من كثير من الباحثين والمثقفين. لكني كنت أظن أن الوقت باق. وتلك من أخبث أوهام القرب. بل هي “عُقبى التفريط في العلماء”، كما قال الشيخ إبراهيم ولد يوسف ولد الشيخ سيديا (المفتي) في تأبينه محمدا.
لقد هممتُ يوم رحل محمد أن أكتب، ثم أمسكت بعد أن قرأت ما كتبه كبار من عرفوا علمه، وتساءلت: لماذا أكتب وقد كُفيتُ المؤنة؟ وما الذي سأضيفه؟ ثم مرت الأعوام ليبدو السؤال على غير ما بدا لي يومها.
هُمْ كتبوا محمدا الذي عرفوه؛ وبقي لي محمد الذي عرفت. وليس المطلوب أن أضيف إلى ما قيل في علمه شيئا، وإنما هو العوْد بجزء يسير مما أتيح من كلام الرجل وأوراقه، ومن مقالات التأبين المذكورة نفسها، إلى ذلك المعنى الكبير الذي رأيته اليوم مستقرا، في هدوء ووقار، خلف هذه الصورة اللوحة. على أن يبقى المجال مفتوحا لشيء آخر أكثر كثافة وشمولية.
لم يكن محمد غزير المعرفة فحسب. فالغزارة وحدها قد تصنع حافظة كبيرة ولا تصنع عقلا كبيرا. كانت الصرامة هي فضيلته الأندر. يروي الشيخ المفتي أنه سأله مرة عن رأيه في العقاد، فأجابه محمد بأنه لم يقرأ له إلا خمسة عشر كتابا من أصل نحو سبعين؛ مردفا أنه لا يمكنه الحكم عليه من خلال هذا المقدار.
وقال: “قرأ محمد كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير فى طبعته القديمة، وهى اثنا عشر جزءا، خلال شهر واحد من عطلة دراسية، وهو فى ريعان الفَتاء. فقد كان يأتى إلى والدي، رحمه الله، مغلِّسا، فيسلّمه الجزءَ الذى يحتاجه، وينفرد فى خيمة يطالعه إلى اشتباك النجوم”.
ووصفه البروفسور عبد الودود ولد الشيخ وصفا يكاد يغني عن مجلد كامل حين قال: “لا يوجد بحث مهم عن موريتانيا يسلم من تأثيره، من بعيد أو قريب. ويكاد يدين له كلُّ من كتبوا عن موريتانيا، مواطنين وأجانب، بفكرة، أو مصدر، أو بملاحظة معتبرة”.
إنها منزلة علمية غريبة: أن يكون أثر الرجل في كتب الآخرين أوسع من عدد الكتب التي تحمل اسمه. ولعل في ذلك أيضا شيئا من مأساته الجميلة. فهو، كما يقول عبد الودود، كان “شديد الصرامة إزاء نفسه وإزاء الآخرين”، ولم يكن يريد أن يدفع إلى الناس كتابا لا يبلغ، في نظره، شروط البحث الرصين. وكان يسخر من أولئك الذين ما إن يتعلموا القراءة والكتابة حتى تستولي عليهم شهوة تسويد الورق.
وثمّة عند إزيد بيهْ شهادة أخرى وتفسير آخر لقلة ما نُشر لمحمد. فقد شكا إليه الراحل عوائق البحث والنشر قائلا: “أكتب المقال العلمي تلو المقال فلا يجد طريقه للنشر، فتتجاوزه الأبحاث فأمزقه”.
عبارةٌ موجعة؛ فبعض ما لم يصلنا من محمد لم يحجبه عنا إلا صرامة صاحبه أحيانا، وضيق قنوات النشر أحيانا أخرى.
أما وصف الشيخ المفتي لمحمد بأنه لم يكن “مقلدا أو إمعة، بل كان ذا نظر أصيل، وصاحب تطلع إلى التجديد”، فإني أرى فيه تفسيرا لأهم جوانب الرجل. ذلك أن الموسوعية قد تتحول، عند بعض أصحابها، إلى مخزن ضخم لما قاله السابقون. أما عند محمد فكانت المادة الخام لسؤال جديد، أو تصحيح قديم، أو شك منهجي في رواية متداولة… كان يعرف التراث، ولكنه لم يكن سجينا له يوما. ويعرف الاستشراق، لكنه لم يكن نسخة منه. ويعرف الثقافة الغربية، لكنه لم يدخلها خجلا من ثقافته.
وكان للدكتور حماه الله ولد السالم في ذلك ملمَح شديد الدلالة حيث يقول: “كان محمد يتقن لغات حديثة وقديمة، ولكن إتقانه للعربية كان، في شهادته، “بمعجم موحد ودقيق ومتقن وأسلوب سلس رصين”.
وهكذا شهد العلماء والأساتذة لمحمد، الذي كان أستاذهم جميعا، وأستاذي، إذا ما اعتمدنا في ذلك مذهب الحافظ الذهبي الذي كان يعد من شيوخه كل خطيب جمعة حضر خطبته، أو جزءا من خطبته!
كان محمد يدخل العوالم المختلفة وهو يحمل عقله معه. ولذلك كان يستطيع أن يكون شديد الاعتزاز بالحضارة الإسلامية والعربية، وأن يكون في الوقت نفسه شديد القسوة على الأخطاء والأوهام والتعصب والجمود. فالاعتزاز، عند العقل الكبير، لا يعني تعطيل النقد؛ بل ربما كان النقد أشرف وجوه الاعتزاز.
قد تكون أعلى ضروب الوطنية أن تعرف وطنك معرفة دقيقة، وأن تعرف تاريخه حين يُنازع في تاريخه، ومجاله حين تختلف حوله الخرائط، أو تلتبس الحدود القانونية بالحدود الاجتماعية والحضارية، وحين يستهان بثقافته أو تساء قراءتها. ولذلك، حين احتاجت موريتانيا في واحدة من أدق قضايا تاريخها الحديث إلى أن تتحدث أمام محكمة دولية، لم يحمل محمد معه خطابا مرتفع النبرة، وإنما حمل المعرفة. وهذا هو الفارق الجوهري والدليل الخالد!
إن الرأس الذي نراه في الصورة منحنيا، هو الرأس نفسه الذي ارتفع يوم ناداه الوطن إلى الدخول، عاجلا، من أرض الحبشة والتوجُّه إلى لاهاي لتقديم مجتمعنا الموريتاني وفضائنا الشنقيطي إلى عالَم لم يدوَّن له عنَّا إلا القليل المتناثر. فلبى محمد النداء ووقف ساعات طوالا في قصر السلام بلاهاي ينثر شيئا من معرفته النادرة ويرتجل الأوصاف الدقيقة المنهجية لصحرائنا وتاريخنا وثقافتنا، واثقا من نفسه ووطنه وحجته.
كان ذلك أمام محكمة العدل الدولية، بقضاتها ومتقاضيها ومراقبيها، بمن فيهم من المختصين والمرجعيات العالمية في مجال القانون والاجتماع والثقافة والسياسة… ففاجأ محمد وفد بلده، قبل أن يفاجئ الوفود الأخرى. وانبهر الحضور وتغير مسار المرافعات، واضطُرت دولٌ لمراجعة تركيبة بعثاتها بسبب هذا الارتفاع المشهود في منسوب الثقافة الإنسانية الحية على حساب القواعد القانونية الجافة المحدودة، والواقعية الدولية الخشنة القاسية.
حين طُلب من محمد أن يتحدث عن الصحراء، لم يتحدث عنها أرضًا ذاتَ حدود وخصائص؛ بل قرأها كتابا مفتوحا جديدا كأنما ألّفه محمد نفسه البارحةَ. قرأ الإنسان فيها، واللغة، والماء، والإبل، والموسيقى، والقبيلة، والفقه، ومسالك القوافل، والذاكرة.
هنالك قال، في وصف المجال الموريتاني، إن “التاريخ ونمط العيش واللغة والثقافة والتقاليد الخاصة والبنية التنظيمية الأصلية… عواملُ صاغت، مجتمِعةً، وعلى مر التاريخ، هذا المجال وأذكت فيه شعورا حيا بالانتماء المشترك”.
كان في وسعه، بما عرف من الدنيا، وبما تقلد من مسؤوليات، وبما خالط من رجال ودول ومؤسسات، أن يختار لنفسه، آخر العمر، مكانا أكثر ترفا، ونمطا آخر من الحياة. لكنه اختار ذلك المكان، واختار فيه من العيش أبسطه في الظاهر، وربما أرقاه في الجوهر.
ولم يكن انعزاله في عين السلامة انقطاعا عن الناس ولا عن البحث؛ فقد وصف حماه الله ولد السالم منزله بأنه ظل “محط رحال العلماء والباحثين من الموريتانيين والأجانب”، وقلّ، في تقديره، باحث كتب عن هذه البلاد ولم يزره ويغترف من علمه. وهكذا تحولت القرية التي اختارها بعيدا عن صخب المناصب إلى واحدة من المحطات الخفية التي كانت تمر بها معرفة موريتانيا بنفسها.
لم تكن تحيط به مظاهر ما يسمونه النجاح. وكانت دنياه في موضع آخر: في كتاب مفتوح، وموسوعة ثقيلة، ومخطوط نادر، وخريطة قديمة، وحاشية مهملة في سِفْر لا يقرأه إلا القلة القليلة، أو في مسألة صغيرة قد يمر بها قارئ عابر فلا يراها، فيقف محمد عندها ساعات؛ لأن وراءها تاريخ شعب، أو تحوُّل لفظ، أو أثر قبيلة، أو طريق قافلة… كان يشتبك مع الكتب والموسوعات ودقائق البحوث كما يشتبك غيره مع وقائع الحياة.
مضى محمد كما يمضي أولئك الذين لا يكاد الناس يفرغون من اكتشاف مقدار ما لديهم. وترك وراءه أوراقا وصناديق وخرائط وملحوظات ومخطوطات، وترك، قبل ذلك وبعده، نفسه موزعة في ذاكرة الذين لقوه وفي أعمال الذين استفادوا منه.

إن بعض الناس لا تبقى صورهم في الكتب التي تركوها، ولا في المناصب التي شغلوها، ولا حتى في شهادات الناس فيهم. بل تبقى في مكان ما، أو مجلس، أو نبرة صوت، أو في سؤال عابر، أو إحساس غامض بأنك عشت زمنا بالقرب من شيء نادر ولم تدرك تمام ندرته إلا بعد رحيله. وقد كان محمد من ذلك النادر.

نقلا عن : صفحة الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى