أخبار موريتانياإفريقي ومغاربيالأخبارتقارير ودراسات

أسبوع المغرب في موريتانيا.. شراكة تتجاوز الحدود وتصنع نموذجاً مغاربياً وإفريقياً ملهما

صورة من حفل افتتاح فعاليات “اسبوع المغرب في موريتانيا 2025

نواكشوط –تقارير  الصدى/ 

لا يبدو «أسبوع المغرب في موريتانيا» مجرد موعد اقتصادي أو ثقافي يتجدد في نواكشوط، بل بات عنواناً لمسار أوسع من التقارب بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والثقافة والمصالح المشتركة، وتدفعهما التحولات الإقليمية الراهنة إلى التفكير معاً في مستقبل فضاء مغاربي وأطلسي أكثر انفتاحاً وتكاملاً.

 

النسخة المقبلة من “الأسبوع .. من نواكشوط الى  الفضاء الإفريقي،

 

وتكتسب الدورة المقبلة من “اسبوع المغرب في موريتانيا” التي ستشهدها العاصمة نواكشوط خلال الفترة من 16 إلى 22 نوفمبر 2026، – تكتسب- أهمية خاصة، بالنظر إلى توسع أفق التظاهرة نحو الفضاء الإفريقي، وانفتاحها على فاعلين من دول المنطقة، بما ينسجم مع التحول المتزايد في العلاقات المغربية–الموريتانية من التعاون الثنائي إلى شراكة يمكن أن تكون جسراً بين المغرب العربي وغرب إفريقيا والساحل.

 

التقارب بين الشعبين لا يحتاج إلى اختراع روابط جديدة، بقدر ما يحتاج إلى تحويل الروابط القائمة إلى مشاريع ومبادرات تخدم الحاضر وتؤسس للمستقبل.

 

تاريخ مشترك.. ومستقبل مشترك

 

تستند العلاقات بين موريتانيا والمغرب إلى رصيد تاريخي وحضاري عميق؛ فقد ظلت طرق التجارة والعلم والثقافة والتواصل الاجتماعي تربط المجالين منذ قرون، ولم تكن الصحراء في الوعي التاريخي للمنطقة حاجزاً بقدر ما كانت فضاءً للحركة والتبادل والتعارف.

 

واليوم، يجد هذا الرصيد التاريخي فرصة جديدة للترجمة في صورة تعاون مؤسسي واقتصادي وثقافي أكثر انتظاماً. فالتقارب بين الشعبين لا يحتاج إلى اختراع روابط جديدة، بقدر ما يحتاج إلى تحويل الروابط القائمة إلى مشاريع ومبادرات تخدم الحاضر وتؤسس للمستقبل.

 

ومن هنا تأتي أهمية التظاهرة التي تجمع في فضاء واحد الاقتصاد والاستثمار والثقافة والصناعة التقليدية والسياحة والتكوين، وتمنح القطاع الخاص والمجتمع المدني والفاعلين الثقافيين مساحة للقاء المباشر.

 

لقاء الملك والرئيس وضع التعاون المغربي–الموريتاني في سياق إفريقي أوسع، من خلال تأكيد تنسيق مساهمة البلدين في المبادرات المرتبطة بأنبوب الغاز الإفريقي–الأطلسي ومبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

ثقة سياسية تفتح الطريق

 

ويستند هذا الحراك إلى أرضية سياسية قوية بين قيادتي البلدين. فقد شكل استقبال الملك محمد السادس للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالقصر الملكي في الدار البيضاء، في 20 ديسمبر 2024، محطة بارزة في مسار العلاقات الثنائية ، حيث أكد بلاغ ملكي صدر بالمناسبة أن اللقاء يندرج في إطار «علاقات الثقة والتعاون القوية» وأواصر الأخوة بين الشعبين، كما سجل تطور الشراكة في مختلف المجالات وحرص قائدي البلدين على تطوير مشاريع استراتيجية للربط بين البلدين.

 

والأهم أن اللقاء وضع التعاون المغربي–الموريتاني في سياق إفريقي أوسع، من خلال تأكيد تنسيق مساهمة البلدين في المبادرات المرتبطة بأنبوب الغاز الإفريقي–الأطلسي ومبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

 

وهذا المعطى يمنح «أسبوع المغرب في موريتانيا» قيمة تتجاوز فعالياته المباشرة، إذ يأتي في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى شراكات إقليمية عملية، تقوم على المصالح المتبادلة وتفتح آفاقاً جديدة أمام التجارة والاستثمار والتنمية.

 

 موريتانيا والمغرب يمكنهما صناعة نموذج عملي لما يمكن أن يحققه التكامل الاقتصادي المغاربي–الإفريقي

 

من التبادل التجاري إلى التكامل الاقتصادي

 

ولسنا بحاجة للتأكيد أن فرص التكامل بين البلدين واسعة ومتعددة الجوانب والمجالات، فالمغرب يمتلك خبرات متقدمة في مجالات البنية التحتية واللوجستيك والصناعة والطاقة والزراعة والسياحة والتكوين، بينما تمتلك موريتانيا موارد طبيعية ومعدنية وسمكية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً على الأطلسي يجعلها بوابة طبيعية نحو غرب إفريقيا والساحل.

 

ولا يتعلق الأمر بعلاقة اقتصادية أحادية الاتجاه، بل بإمكان بناء منظومة مصالح متبادلة تشمل استثمارات مغربية في موريتانيا، ومنتجات موريتانية تصل إلى أسواق أوسع عبر المغرب، وتعاون في الصيد والصناعات التحويلية والزراعة والطاقات المتجددة والنقل والخدمات واللوجستيك.

 

وهنا يمكن أن تتحول موريتانيا والمغرب إلى نموذج عملي لما يمكن أن يحققه التكامل الاقتصادي المغاربي–الإفريقي عندما تتقدم المصالح المشتركة على الحسابات الضيقة.

 

«أسبوع المغرب في موريتانيا» قابل لأن يتحول إلى منصة للحوار حول فرص الاستثمار والتجارة والتعاون جنوب–جنوب، وليس مجرد مساحة لعرض المنتجات والخدمات

الواجهة الأطلسية.. أفق جديد

 

ويمنح البعد الأطلسي العلاقة الثنائية فرصة تاريخية إضافية. فالمغرب يطرح رؤية لتعزيز ارتباط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، فيما تمثل موريتانيا بحكم موقعها الجغرافي نقطة وصل طبيعية بين شمال إفريقيا وغربها والساحل.

 

ومن شأن توسيع «أسبوع المغرب في موريتانيا» نحو مشاركة إفريقية أوسع أن يحول التظاهرة إلى منصة للحوار حول فرص الاستثمار والتجارة والتعاون جنوب–جنوب، وليس مجرد مساحة لعرض المنتجات والخدمات.

 

وبذلك يمكن لنواكشوط أن تصبح نقطة التقاء بين الرؤية المغربية للفضاء الأطلسي وحاجات دول الساحل إلى منافذ تجارية وبنيات لوجستية وشراكات تنموية جديدة.

 

سفارة نشطة.. وشراكة تتسع

 

وفي هذا السياق تستحق الجهود التي تبذلها سفارة المملكة المغربية في نواكشوط، بقيادة السفير حميد شبار، الإشادة في مواكبة هذا المسار، من خلال دعم المبادرات الاقتصادية والثقافية وتعزيز التواصل بين المؤسسات والفاعلين من البلدين.

 

وتأتي هذه الدينامية في انسجام مع التأكيد المغربي الرسمي المتكرر على أن العلاقات مع موريتانيا تقوم على الأخوة والثقة والرغبة في بناء شراكة أوسع، وهو ما عبرت عنه السفارة المغربية في نواكشوط أخيراً بالتشديد على الروابط التاريخية والدينية والثقافية والمصير المشترك، وعلى موقع البلدين كحلقة وصل بين الفضاء المغاربي وغرب إفريقيا والساحل والأطلسي.

 

«منتدى الجنوب».. دبلوماسية المجتمع المدني

 

كما يبرز منتدى الجنوب، برئاسة محمد فاضل ماء العينين، بوصفه أحد الفاعلين المدنيين المواكبين للتقارب المغربي–الموريتاني، من خلال الإسهام في تنظيم التظاهرة وفتح قنوات التواصل بين الفاعلين في البلدين.

 

وقد دعا رئيس المنتدى، خلال فعاليات النسخة السابقة من “الأسبوع”، إلى مزيد من الجهود لتطوير العلاقات بين موريتانيا والمغرب، في وقت يشارك فيه المنتدى في مواكبة فضاءات الحوار والتعاون بين مختلف الفاعلين.

 

وتكتسب هذه الأدوار أهميتها من كون العلاقات بين الدول لا تبنى بالاتفاقيات الرسمية وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى جسور شعبية ومدنية واقتصادية وثقافية قادرة على تحويل التقارب السياسي إلى تواصل مجتمعي مستدام.

 

بلدان متجاوران يحولان التاريخ المشترك إلى تعاون في الحاضر، والموقع الجغرافي إلى فرصة اقتصادية، والثقة السياسية إلى مشاريع تنموية، والانتماء الإفريقي إلى شراكات جنوب–جنوب.

نموذج قابل للتعميم

 

إن القيمة الكبرى للتقارب المغربي–الموريتاني لا تكمن فقط في حجم المبادلات أو عدد المشاريع، وإنما في إمكانية تقديم تجربة مختلفة في المنطقة: بلدان متجاوران يحولان التاريخ المشترك إلى تعاون في الحاضر، والموقع الجغرافي إلى فرصة اقتصادية، والثقة السياسية إلى مشاريع تنموية، والانتماء الإفريقي إلى شراكات جنوب–جنوب.

 

 

ومن هذه الزاوية، فإن «أسبوع المغرب في موريتانيا» يمكن أن يصبح أكثر من تظاهرة سنوية؛ يمكن أن يكون مختبراً لشراكة مغربية–موريتانية نموذجية، ومنصة لتقريب الشعوب المغاربية، وبوابة للتعاون مع إفريقيا.

 

 

فحين تتكامل الجغرافيا مع التاريخ، والسياسة مع الاقتصاد، والثقافة مع المجتمع، يصبح التقارب بين نواكشوط والرباط ليس فقط مصلحة للبلدين، وإنما نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه المنطقة: فضاءً للتكامل بدل التجزئة، وللشراكة بدل التنافس، وللجسور بدل الحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى