المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي .. حين يصبح الفكر مشروعاً لإنقاذ الإنسان!!

كتب : رئيس التحرير : محمد عبد الرحمن
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتسع فيه دوائر الصراع والكراهية، لا تعاني الأمة العربية نقصاً في الكلام بقدر ما تعاني أزمةً في الوعي والقدرة على الفعل. ومن هنا تكتسب أفكار المفكر الإماراتي علي محمد الشرفاء الحمادي أهميتها؛ لأنها تنقل النقاش من ضجيج الشعارات إلى سؤال الإنسان: كيف نبني جيلاً يعرف ماضيه، ويفهم حاضره، ويملك أدوات صناعة مستقبله؟
إن الانشغال بقضايا الأمة، في رؤيته، ليس استدعاءً عاطفياً للماضي، ولا استسلاماً لوقائع الحاضر، بل محاولة لاستعادة العقل إلى موقعه الطبيعي في صناعة القرار والمصير. فالأمم لا تنهض بكثرة ما تقول، وإنما بما تنتج من معرفة، وما تبني من وعي، وما تترجمه من قيم إلى سلوك ومؤسسات
ومن هنا تأتي نظرته إلى التراث بوصفه ذاكرةً حية لا قيداً أبدياً. فالتراث جدير بالمعرفة والفهم والنقد، لا بالتقديس الذي يعطل العقل. احترام الماضي لا يعني الارتهان له، كما أن نقده لا يعني التنكر له. وما تحتاجه الأمة هو عقل قادر على التمييز: يأخذ من ماضيه ما يضيء طريقه، ويتجاوز ما لم يعد صالحاً لزمانه.
وفي الجهة الأخرى يقف المستقبل، لا باعتباره مجهولاً مخيفاً، بل فضاءً مفتوحاً لصناعة الممكن. وهنا يصبح العلم والمعرفة جوهر المشروع، لأن أمة لا تنتج المعرفة ستظل تستهلك ما ينتجه الآخرون، وجيل لا يمتلك أدوات التفكير سيجد نفسه تابعاً في عالم تتحدد فيه القوة بامتلاك العقل قبل امتلاك الموارد.
لذلك فإن تسليح الأجيال بالعلم ليس قضية تعليمية فحسب، بل قضية أمن قومي ونهضة حضارية. فالمدرسة والجامعة والإعلام والثقافة كلها ساحات لصناعة الوعي، ومن خلالها يمكن بناء إنسان قادر على السؤال والنقد والإبداع، لا مجرد متلقٍ لما يُقال له.
أما التسامح والوسطية والاعتدال، فهي في هذا التصور ليست ترفاً أخلاقياً، بل شروطاً لبقاء المجتمعات. فالاختلاف حقيقة إنسانية، والخطر يبدأ حين يتحول إلى كراهية، وحين يصبح المختلف عدواً. والتسامح لا يلغي الثوابت، لكنه يمنع تحويلها إلى أدوات للإقصاء. والاعتدال ليس موقفاً ضعيفاً أو رمادياً، بل قوة العقل في مواجهة الغلو.
ومن هنا تتصل ثقافة التسامح بثقافة العطاء؛ فالمجتمع المتماسك لا يقوم على سؤال: ماذا آخذ؟ بل على سؤال: ماذا أستطيع أن أقدم؟ والعطاء معرفة وخبرة ووقت ومسؤولية، قبل أن يكون مالاً. وحين تصبح المسؤولية قيمة عامة، تتحول التنمية من مشروع حكومي إلى مشروع مجتمع.
لكن الأهم أن هذه الأفكار تلتقي عند مركز واحد: الإنسان. إنسانٌ متصالح مع تاريخه دون أن يسكن فيه، منفتح على المستقبل دون أن يهابه، مسلح بالعلم، مؤمن بالتسامح، قادر على الاختلاف دون كراهية، وعلى العطاء دون انتظار مقابل.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الفكر إلى السياسة بمعناها الأعمق. فالأمة التي لا تصنع وعيها سيصنع الآخرون وعيها، والتي لا تهيئ أجيالها للمستقبل ستجد نفسها تعيش في مستقبل صاغه غيرها. ولذلك فإن معركة العرب الحقيقية ليست فقط مع تحديات الاقتصاد والأمن والسياسة، وإنما مع الوعي الذي يحدد كيف نرى أنفسنا وكيف نرى العالم.
إن مشروع النهوض يبدأ حين نكف عن توريث الخوف والكراهية، ونبدأ بتوريث المعرفة والثقة والمسؤولية. فالمستقبل لا ينتظر من يخشاه، بل ينحاز لمن يستعد له.
الخــــــــــلاصــــــة: أن نقرأ التراث بعقل، ونواجه الحاضر بإرادة، ونصنع المستقبل بالعلم؛ وأن نجعل التسامح لغةً بين الشعوب، والعطاء ثقافةً بين الناس، والإنسان محوراً لكل مشروع نهضة. عندها فقط لا تكون الأمة أسيرة تاريخها، ولا رهينة حاضرها، بل شريكةً في صناعة مستقبلها.




