افتتاحية الصدىالأخبارمقالات و تحليلات

عندما يقطع العرب علاقاتهم.. أي دور للجامعة العربية ؟ (أفتتاحية)

محمد عبد الرحمن المجتبى / المدير الناشر رئيس التحرير لمجموعة الصدى للاعلام

 كتب: رئيس التحرير /  محمد عبد الرحمن المجتبى

لم تعد القطيعة الدبلوماسية بين الدول العربية مجرد خلافات ثنائية يمكن وضعها في خانة التباين الطبيعي في المواقف والسياسات. فعندما تصل العلاقات بين دولتين عربيتين إلى مستوى قطع العلاقات، فإن المسألة تتجاوز حدود العاصمتين المعنيتين، لتصبح اختباراً حقيقياً لمنظومة العمل العربي المشترك، وللدور الذي يفترض أن تضطلع به جامعة الدول العربية في حماية الحد الأدنى من التماسك داخل البيت العربي.

 

 

ومن هذا المنظور، فإن قرار الجزائر قطع علاقاتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة يمثل تطوراً بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب ثقل الدولتين ومكانتهما في محيطهما العربي والإفريقي، وإنما لأن المنطقة العربية لم تعد تحتمل مزيداً من القطيعة والاستقطاب وتبادل الاتهامات.

 

الخلاف العربي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة عربية

 

فقبل يومين، أعلنت الجزائر أنها قررت قطع العلاقات مع أبوظبي بعد ما وصفته بـ«التصرفات الاستفزازية أو العدائية»، مؤكدة أنها استنفدت، وفق روايتها، مختلف الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية. ولم تكشف الجزائر عن واقعة واحدة محددة اعتبرتها سبباً مباشراً للقرار، فيما أبدت الإمارات أسفها، وأعربت عن أملها في أن يكون القرار مؤقتاً وأن تحافظ الدولتان على الروابط الأخوية بين “الشعبين الشقيقين”.

 

لسنا هنا بصدد البحث عن طرف مخطئ وآخر مصيب، وليست «الصدى» من وسائل الاعلام التي تحشر نفسها في خلافات الدول ذات السيادة

لكننا  نرى أن الخلاف العربي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة عربية، وأن استمرار الأزمات الثنائية دون قنوات للحوار يضعف الجميع، ويفتح مساحات إضافية للتدخلات والاستقطابات الإقليمية والدولية.

 

 أي دور لـ “بيت العرب الجامع” ؟

 

وهنا تبرز الأسئلة التي تطرح نفسها اليوم بإلحاح وهو  أين هي الجامعة العربية ؟ هل هي معنية بما يحدث من تشقق خطير داخل البيت العربي؟ والسؤال الأهم هل هي مخولة للتدخل بالوساطة والحسنى ؟

 

 

والإجابة الجلية على هذه الأسئلة الملحة هي أنه إذا كانت الجامعة العربية قد أنشئت لتوثيق الصلات بين الدول العربية وتنسيق سياساتها وحماية مصالحها المشتركة، فإن الأزمات التي تنشأ بين أعضائها ينبغي أن تكون في مقدمة أولوياتها، لا أن تنتظر حتى تصل إلى نقطة القطيعة ثم تكتفي بمراقبة المشهد.

 

 

لقد كان بالإمكان، وربما لا يزال بالإمكان، أن تتحرك الدبلوماسية العربية بعيداً عن الأضواء، وأن يفتح الأمين العام للجامعة قنوات اتصال مع الجزائر وأبوظبي، وأن يعرض مساعي حميدة لا تنحاز إلى طرف ولا تنتقص من سيادة أي دولة ، ولسنا هنا طبعا في وارد تقديم دروس له في هذا السياق .

 

 

فالدبلوماسية ليست بيانات الشجب وحدها، ولا قمماً تعقد روتينيا أو استثنائيا بعد اشتعال الأزمات، وإنما هي التحرك قبل الانفجار، والاتصال قبل القطيعة، والوساطة قبل أن يصبح التراجع أكثر كلفة.

 

 

الجامعة.. هل تتحرك قبل أن يصبح الخلاف قطيعة؟

 

السؤال الذي تطرحه «الصدى» اليوم ليس عن قدرة الجامعة العربية على فرض المصالحة؛ فهي لا تملك، ولا ينبغي أن تملك، سلطة إجبار دولتين ذاتي السيادة على إنهاء خلافهما. السؤال هو عن قدرتها على التحرك السياسي الوقائي، واستخدام مكانتها وامكاناتها لفتح قنوات الحوار قبل أن تتسع الفجوة.

 

 

فميثاق “الجامعة” يوفر أساساً للتحرك في تسوية النزاعات بين الدول الأعضاء، لكن قيمة هذه الصلاحيات لا تقاس بالنصوص وحدها، وإنما بمدى استخدامها في الوقت المناسب ، وبالطرق المناسبة !!

 

 

وهنا يكمن الاشكال الموجع حقا ، فأي دور لمنظومة عمل عربي لا تصل إلى الأزمة إلا بعد انفجارها، لتلعب دور الطبيب بعد الموت؛ نريد جامعة تتحرك قبل القطيعة، وتستشعر الخطر قبل أن يتحول الخلاف إلى أزمة مستعصية.

 

 

الخلاف مهما وصل  لا يلغي ما يجمع الجزائر والإمارات

 

من مصلحة الجزائر، كما من مصلحة الإمارات، أن تبقى الخلافات قابلة للحوار. فالدولتان تنتميان إلى فضاء عربي واحد، وتشتركان في مصالح واسعة، كما أن استقرار العلاقات العربية ـ العربية ليس شأناً ثانوياً في ظل التحديات التي تواجه المنطقة.

 

 

والعودة إلى الحوار لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تراجعاً من طرف أمام آخر، وإنما باعتبارها انتصاراً لمنطق الدولة والعقل والدبلوماسية ، وفي هذا السياق تستدعي الأمانة المهنية الإشادة بالموقف الإماراتي المتأسف على ما حصل والداعي لإحتواء الأزمة بلغة دبلوماسية هادئة وراقية.

 

 

لقد آن الأوان أن ندرك أن ما  يجمع الدول العربية أكبر من خلافاتها، والمطلوب ليس إلغاء الاختلاف، وإنما منع الاختلاف من التحول إلى قطيعة، والقطيعة إلى استقطاب، والاستقطاب إلى خصومة تستنزف النظام العربي بأكمله.

 

 

وآن الأوان أن  نؤمن بأن قوة العالم العربي لا تأتي من تطابق مواقف دوله، وإنما من قدرته على إدارة اختلافاته داخل إطار عربي جامع.

 

 

الدبلوماسية الوقائية “للجامعة” ،تجعلها حاضرة قبل القطيعة لا بعدها، وقبل الانفجار لا بعده.

 

ومن هنا، فإننا ندعو الجامعة العربية إلى التحرك، لا لفرض وساطة لا يريدها أي من الطرفين، وإنما لفتح قنوات الاتصال وتهيئة الظروف لاستئناف الحوار بين العاصمتين. وإذا كانت القطيعة قد وقعت، فإن مسؤولية الجامعة الآن هي منع تحولها إلى مسار طويل الأمد، والعمل على إبقاء باب العودة مفتوحاً.

 

لكن الرسالة الأهم يجب أن تكون أبعد من الأزمة الراهنة، وهي استشعار الجامعة العربية أنها “بيت العرب الجامع” وأنها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى  ببناء آلية حقيقية للدبلوماسية الوقائية، تجعلها حاضرة قبل القطيعة لا بعدها، وقبل الانفجار لا بعده.

 

فترتيب البيت العربي لا يكون بإدارة الخلافات بعد وقوعها فقط، وإنما بمنعها من الوصول إلى نقطة اللاعودة.

 

حتى لا يتحول البيت العربي إلى مجموعة غرف مغلقة!!

 

وفي أزمة الجزائر والإمارات، لا ينبغي أن يكون السؤال: من انتصر في الأزمة ؟ بل من انتصر عليها ، وبطريقة أدق  السؤال المحوري هو متى وكيف يعود الحوار بين الدولتين ؟ وهل للجامعة العربية دور في هذا السياق ؟

 

فالعرب لا يحتاجون إلى مزيد من الجدران بينهم، وإنما إلى مؤسسة عربية تفتح الأبواب، وتمنع تحويل البيت العربي إلى مجموعة غرف مغلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى