الأخبارتكنولوجياقضايا المجتمع

حماية القاصرين في الفضاء الرقمي.. بين ضرورة التنظيم وتحديات التنفيذ/تحليل

كتب :احمد الدوه
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للترفيه والتواصل وتبادل المعلومات، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، بما تحمله من فرص للتعلم والانفتاح والتعبير، وما تثيره في الوقت نفسه من مخاطر تتعلق بالمحتوى غير الملائم، والاستغلال، والتنمر الإلكتروني، والتواصل مع الغرباء، والإفراط في استخدام الشاشات.
وفي هذا السياق، يأتي توجه الحكومة الموريتانية إلى وضع إطار وطني لتنظيم وصول القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي، وهو توجه أعلن عنه مجلس الوزراء في 16 سبتمبر 2026، ويتضمن حزمة من الإجراءات التنظيمية والتقنية والتوعوية.
ويقترح الإطار تصنيف الخدمات الرقمية بحسب مستوى الخطورة، وربط مستوى الولوج بالفئات العمرية، مع اعتماد سن السادسة عشرة كعتبة مرجعية، وإخضاع من هم دونها لضوابط إضافية، بما في ذلك إدراج البالغين 15 عاماً ضمن نظام الموافقة الأبوية. كما تشمل الإجراءات المقترحة تعطيل خوارزميات التوصية بالنسبة للقاصرين، وإيقاف التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي للمحتوى بصورة افتراضية، ومنع الاستهداف الإعلاني، وحظر الرسائل الواردة من أشخاص غير معروفين، وتقييد البث المباشر، واعتماد ساعات هدوء ليلية.
لماذا تحتاج موريتانيا إلى مثل هذه الإجراءات؟
المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، وفي قدرة الأطفال على التعامل مع فضاء رقمي صُممت بعض خصائصه التقنية أصلاً لجذب المستخدم وإبقائه أطول فترة ممكنة.
فالطفل أو المراهق لا يمتلك دائماً القدرة الكافية على التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الضار، أو بين الشخص الذي يتواصل معه بحسن نية ومن يحاول استغلاله. كما أن خوارزميات التوصية قد تدفع المستخدم بصورة متتابعة نحو محتويات مشابهة لما شاهده سابقاً، بينما يؤدي التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي إلى زيادة مدة الاستخدام دون قرار واعٍ من المستخدم.
ومن هنا تبدو بعض الإجراءات المقترحة موجهة ليس إلى منع التكنولوجيا، وإنما إلى تقليل العناصر التي تجعل الاستخدام مفرطاً أو محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى الفئات الأصغر سناً.
هل تكفي القيود التقنية وحدها؟
الجواب هو: لا.
فأكثر القوانين صرامة يمكن أن تفقد جزءاً كبيراً من فعاليتها إذا لم تصاحبها آليات تنفيذ حقيقية، وإذا بقي الطفل قادراً بسهولة على تجاوز القيود باستخدام حساب شخص آخر أو تغيير بيانات العمر أو اللجوء إلى وسائل تقنية للتحايل.
ولهذا فإن نجاح السياسة المقترحة سيتوقف بدرجة كبيرة على ثلاثة عناصر:
أولاً: التحقق العملي من العمر.
ينبغي أن تكون هناك آلية موثوقة ومتناسبة للتحقق من الفئات العمرية، مع حماية البيانات الشخصية وعدم تحويل حماية الأطفال إلى مدخل لجمع معلومات حساسة عنهم.
ثانياً: مسؤولية المنصات.
لا ينبغي أن تقع مسؤولية الحماية كلها على الأسرة. فالمنصات نفسها مطالبة بتطبيق القيود العمرية، وحماية القاصرين من الحسابات المجهولة، ومن المحتويات والإعلانات غير الملائمة، والاستجابة السريعة للبلاغات المتعلقة بالاستغلال والتنمر والابتزاز.
ثالثاً: دور الأسرة والمدرسة.
الرقابة الأسرية تظل عنصراً أساسياً، لكن المطلوب هو الانتقال من الرقابة القائمة على المنع فقط إلى التربية على الاستخدام المسؤول. فالطفل الذي يعرف مخاطر مشاركة صوره ومعلوماته الشخصية، ويعرف كيف يتعامل مع شخص غريب، وكيف يبلغ عن التنمر أو الابتزاز، يكون أكثر قدرة على حماية نفسه.
التوعية أهم من الحظر
ومن النقاط المهمة في المقترح الحكومي إطلاق برنامج وطني للتحسيس والتربية على الاستخدام الآمن والمسؤول للفضاء الرقمي، يستهدف الأطفال والمراهقين والأسر والمربين، مع إنشاء آلية للإبلاغ والتوجيه والتكفل بالأطفال ضحايا العنف والاستغلال والمخاطر الرقمية.
وهذا الجانب ربما يكون من أهم عناصر السياسة الجديدة، لأن الهدف النهائي ليس صناعة جيل معزول عن التكنولوجيا، وإنما صناعة جيل قادر على استخدامها بوعي وأمان.
ويفترض أن تبدأ التربية الرقمية منذ المدرسة، من خلال تعليم الأطفال مبادئ الخصوصية والأمن الإلكتروني، والتحقق من المعلومات، والتعامل مع الغرباء، ومخاطر نشر الصور والمعلومات الشخصية، وآليات التبليغ عن المحتوى الضار.
كما ينبغي تدريب المعلمين والمربين والأخصائيين الاجتماعيين على اكتشاف مؤشرات التنمر الإلكتروني والاستغلال والابتزاز والعزلة الرقمية.
وماذا عن “ساعات الهدوء”؟
تحديد ساعات ليلية لاستخدام المنصات يمكن أن يكون وسيلة للحد من الاستخدام المفرط ليلاً، لكنه يحتاج إلى تطبيق مرن ومدروس، يأخذ في الاعتبار اختلاف الأعمار والاحتياجات، ولا يتحول إلى إجراء شكلي يسهل تجاوزه.
والأهم أن يكون الهدف منه تنظيم الاستخدام لا مجرد قطع الاتصال؛ فالمشكلة ليست في الهاتف وحده، وإنما في العادات الرقمية التي تتشكل حوله.
كيف نقيس نجاح الإجراءات؟
نجاح هذه السياسة لا ينبغي أن يقاس بعدد الحسابات التي تم حظرها، أو بعدد القيود المفروضة على الأطفال، وإنما بنتائج ملموسة، مثل:
انخفاض تعرض القاصرين للتنمر والابتزاز والاستغلال الرقمي.
انخفاض التواصل غير المرغوب فيه من الغرباء.
تقليل الاستخدام المفرط والليلي للمنصات.
ارتفاع نسبة الأطفال الذين يعرفون آليات التبليغ والحماية.
سرعة تعامل السلطات والمنصات مع البلاغات.
زيادة وعي الآباء والمربين بالمخاطر الرقمية.
حماية بيانات الأطفال ومنع استخدامها لأغراض تجارية أو إعلانية غير مشروعة.
بين الحماية والحق في الوصول إلى المعرفة
التحدي الحقيقي أمام السياسة الجديدة هو تحقيق التوازن بين حماية الطفل وبين حقه في التعلم والتواصل والوصول إلى المعرفة.
فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أيضاً أدوات تعليمية وثقافية ومجالات لاكتشاف المواهب والتواصل مع العالم. ولذلك فإن التنظيم الناجح هو الذي يميز بين المحتوى والخدمات عالية الخطورة وبين الاستخدامات التعليمية والاجتماعية المفيدة، بدلاً من التعامل مع كل أشكال الاستخدام الرقمي باعتبارها خطراً واحداً.
كما ينبغي أن تراعي الإجراءات واقع المجتمع الموريتاني، ومستوى انتشار الهواتف الذكية، وقدرة الأسر المختلفة على ممارسة الرقابة الأبوية، والفوارق بين المدن والداخل، حتى لا تتحول القواعد الجديدة إلى عبء يصعب تطبيقه على بعض الأسر أكثر من غيرها.
المطلوب: سياسة حماية متكاملة
إن تنظيم وصول القاصرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يمثل خطوة مهمة في بناء بيئة رقمية أكثر أماناً، لكن نجاحه لن يتحدد بالنصوص وحدها.
فالمنظومة المطلوبة ينبغي أن تجمع بين القانون والتكنولوجيا والأسرة والمدرسة والمنصات وشركات الاتصالات والمجتمع المدني.
كما تحتاج موريتانيا إلى آلية مستقلة وشفافة لتقييم نتائج هذه الإجراءات بصورة دورية، والاستماع إلى الأسر والمربين والأطفال أنفسهم، ومراجعة القواعد كلما ظهرت تقنيات أو مخاطر جديدة.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الهدف إبعاد الأطفال عن العالم الرقمي، فهذا أمر يصعب تحقيقه في عصر التكنولوجيا، وإنما مساعدتهم على دخوله بأمان، وحماية الأكثر هشاشة منهم، وتحويل وسائل التواصل من فضاء مفتوح للمخاطر إلى فضاء أكثر مسؤولية، دون التضحية بفرص التعلم والمعرفة والتواصل.
فالحماية الرقمية الحقيقية لا تبدأ من زر الحظر، وإنما من بناء وعي رقمي يجعل الطفل قادراً على حماية نفسه، والأسرة قادرة على مواكبته، والدولة قادرة على حماية حقوقه، والمنصات مسؤولة عن البيئة التي تقدمها له.
الصدى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى