العسكريون في موريتانيا بين التقاعد والسياسة.. تحييد للمؤسسة أم إعادة رسم لخريطة النفوذ؟أحمد الدوه “تحليل “
يثير إبعاد عدد من الشخصيات العسكرية عن مواقع المسؤولية، بالتزامن مع النقاش حول تقييد ممارسة العمل السياسي على العسكريين المتقاعدين، تساؤلات بشأن طبيعة التوجه الذي يحكم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمشهد السياسي في موريتانيا، وما إذا كنا أمام مسار مؤسسي للفصل بين الوظيفة العسكرية والمنافسة السياسية، أم أمام إعادة ترتيب لمراكز النفوذ داخل النظام.
فمن مسغارو ولد اغويزي، مرورًا بلبات ولد معيوف، وصولًا إلى ولد حننه، تتجدد التساؤلات حول مستقبل حضور الشخصيات العسكرية في الحياة العامة، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه بعد مغادرة مواقعها الرسمية.
غير أن الربط بين هذه الحالات لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة سياسية تستهدف أصحابها، إذ تظل دوافع القرارات الإدارية بحاجة إلى معطيات موثوقة تكشف خلفياتها وأهدافها.
من المنصب إلى النفوذ
لا شك أن تولي المناصب العليا يمنح أصحابها أدوات للتأثير، وأن مغادرتها قد تحد من قدرتهم على الوصول إلى مراكز القرار. لكن النفوذ لا يرتبط بالوظيفة وحدها؛ فقد يستند أيضًا إلى الخبرة والعلاقات والحضور العام والقدرة على بناء مواقف سياسية مستقلة.
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد متابعة تغييرات التعيين والإعفاء:
هل تتجه الدولة إلى إرساء قواعد عامة تمنع تداخل المؤسسة العسكرية مع العمل السياسي، أم أن إعادة توزيع المناصب قد تؤدي، عمليًا، إلى تقليص فرص بعض الشخصيات في المنافسة السياسية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تستند إلى الاستنتاجات وحدها، بل تتطلب النظر في طبيعة القرارات المتخذة، ومدى اتساقها مع قواعد عامة تطبق على الجميع دون تمييز.
العسكري المتقاعد.. مواطن أم امتداد للمؤسسة؟
يستند الجدال حول تنظيم النشاط السياسي للعسكريين إلى مبدأ مشروع، يتمثل في ضرورة تحييد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات الحزبية والانتخابية، وحماية انضباطها ووحدتها، ومنع استغلال الرتب والموارد العسكرية في خدمة المصالح السياسية.
لكن الإشكال يظهر عندما تمتد القيود إلى العسكريين المتقاعدين، الذين يختلف وضعهم القانوني والوظيفي عن وضع من لا يزالون في الخدمة.
فإذا كان من الطبيعي إخضاع العسكري العامل لالتزامات خاصة تفرضها طبيعة وظيفته، فإن تقييد الحقوق السياسية للمتقاعد يستلزم سندًا قانونيًا واضحًا، ومبررات موضوعية، وضمانات تمنع التوسع في القيود بما يتجاوز مقتضيات المصلحة العامة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ينبغي أن تظل الخلفية العسكرية سببًا لتقييد المشاركة السياسية بعد انتهاء الخدمة، أم أن الأصل هو عودة المتقاعد إلى ممارسة حقوقه المدنية والسياسية وفق القواعد العامة، مع مراعاة الالتزامات المحددة التي قد يفرضها القانون؟
إن التمييز بين الحالتين ضروري لتجنب الخلط بين حماية المؤسسة العسكرية من التسييس وبين الحد من حق المواطن في المشاركة في الشأن العام.
قانون موحد أم قيود قابلة للتأويل؟
إن إصدار قانون ينظم ممارسة العمل السياسي للعسكريين، بمن فيهم المتقاعدون، يقتضي نقاشًا عامًا يتجاوز الجوانب الإجرائية إلى طبيعة الحقوق التي يشملها، ومدى القيود المفروضة، والمدة التي تسري خلالها، والجهات المخولة بتطبيقها.
فالقانون الذي يستهدف حماية حياد المؤسسة العسكرية ينبغي أن يكون واضحًا ومحددًا، وأن يطبق على جميع المعنيين بالمعايير نفسها، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الحسابات السياسية.
كما ينبغي أن يميز بين استغلال النفوذ العسكري للتأثير في المنافسة السياسية، وبين ممارسة الحقوق السياسية بصفة مدنية بعد انتهاء الخدمة.
فالأولى تستوجب ضوابط رادعة، أما الثانية فلا يجوز تقييدها إلا وفق أحكام قانونية واضحة ومتوافقة مع الضمانات الدستورية.
وتظل الرقابة القضائية على القرارات التي تمس هذه الحقوق إحدى أهم الضمانات لمنع التطبيق الانتقائي، وصون مبدأ المساواة أمام القانون.
بين تحييد الجيش وإعادة ترتيب مراكز القوة
في الحالة الموريتانية، يكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بسبب الدور الذي أدته المؤسسة العسكرية في تاريخ البلاد السياسي.
ولذلك، فإن الانتقال إلى حياة سياسية مدنية تحكمها المؤسسات والقواعد الدستورية يتطلب الفصل الواضح بين المسؤولية العسكرية والتنافس على السلطة.
لكن نجاح هذا المسار لا يقاس بعدد العسكريين الذين يغادرون المناصب، ولا بمدى تراجع حضورهم في المجال العام، وإنما بمدى ترسيخ قواعد دائمة تمنع تدخل المؤسسة العسكرية في المنافسة السياسية، وتضمن في الوقت نفسه عدم استخدام القوانين لإقصاء شخصيات بعينها.
فإذا كانت الغاية هي تحييد المؤسسة العسكرية، فإن ذلك ينبغي أن يشمل الجميع، وأن يستند إلى معايير قانونية ثابتة، لا إلى موازين النفوذ أو تقديرات المنافسة المحتملة.
أما إذا أصبحت القيود وسيلة لتضييق المجال أمام بعض الشخصيات دون غيرها، فإنها ستثير تساؤلات حول حدود الفصل بين الإصلاح المؤسسي وإعادة ترتيب مراكز القوة، وهي تساؤلات لا تحسمها النوايا المعلنة، بل تكشفها النصوص القانونية وطريقة تطبيقها.
الخلاصة
إن موريتانيا بحاجة إلى علاقة متوازنة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية، تقوم على تحييد الجيش عن الصراعات الحزبية، واحترام الحقوق المدنية للعسكريين المتقاعدين، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
ولا يتحقق هذا التوازن بإبعاد الأشخاص وحده، ولا بفرض قيود عامة دون ضمانات كافية، وإنما ببناء مؤسسات قوية وقواعد واضحة لا تتغير بتغير مراكز النفوذ.
ويبقى السؤال الذي يستحق النقاش: هل يمثل تنظيم النشاط السياسي للعسكريين خطوة نحو ترسيخ الحكم المدني وتكافؤ الفرص، أم أن أثره العملي قد يتجاوز تحييد المؤسسة العسكرية إلى إعادة رسم حدود المنافسة السياسية؟
إن الإجابة تتوقف على وضوح القانون، وعدالة تطبيقه، وقدرته على إخضاع الجميع للقواعد نفسها، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والسياسية.




