الأخبارفضاء الرأي

بين المختار ولد داداه و غزواني.. إقالات متشابهة رغم فارق زمني يصل لنصف قرن / بقلم الخبير الدولي أحمد سالم

احمد سالم ولد أحمد / رئيس دائرة العلاقات الدولية بالمنظمة العربية للتنمية والزراعة

العنوان الأصلي للمقالة : إقالة المختار ولد داداه لشقيقه عبد الله ولد داداه وإقالة محمد ولد الشيخ الغزواني لشقيقه محمد أحمد ولد محمد الأمين: تشابه في الملابسات بعد أزيد من نصف قرن من الزمن

قبل أيام من الآن كان الحدث الأبرز في الساحة الوطنية هو صدور تقرير لجنة التحقيق المستقلة الخاصة بحريق المحطات الكهربائية.

وبينما كان موضوع التداول الوحيد عند الجميع هو تبعات هذا التقرير، جاءت استقالة الحكومة فانغمس الجميع في الحديث عن من سيغادر ومن سيبقى.

في هذا الخضم، جاءت الهزة الكبرى المتمثلة في مغادرة معالي الوزير محمد أحمد ولد محمد الأمين للفريق الوزاري، وهو ما لم يكن يتوقعه أحد، ثم جاءت ردة الفعل الشعبية الواسعة المتضامنة مع الرجل والمعبرة عن أسفها لإقالته، وهو ما أظهر الصيت الشعبي الكبير لهذا الوزير، وما يتمتع به من رصيد محبة في قلوب الكثير من الموريتانيين، وما يكنونه له من احترام تقديرًا لإنجازاته الوطنية الكبرى التي حققها على مدى سنوات قاد خلالها قطاعًا من أكثر القطاعات الحكومية حساسية واستراتيجية في آن واحد، وقد تحققت هذه الإنجازات بعيدًا عن الأضواء، مما يبرهن على أن دواعي هذا العمل الجبار المخلص كانت القناعة الراسخة بالمصلحة الوطنية، والإيمان العميق بهذا البلد والوفاء لرسالة صونه، وليس البحث عن الشهرة والنجومية. فكان محمد أحمد من نوادر أعضاء التشكيلة الماضية الذين قل شاكوهم وكثر شاكروهم.

وإنه لمن السذاجة بمكان أن يظن البعض اليوم أن ثقة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في معالي الوزير محمد أحمد ولد محمد الأمين قد تزعزعت قيد أنملة، والأكثر من ذلك سذاجة من يظن أن ولاء محمد أحمد ولد محمد الأمين لمحمد ولد الشيخ الغزواني يمكن أن تبلوه صروف الدهر، فالموضوع لا يعدو في أسوأ الحالات كونه تباينًا مؤقتًا وعابرًا في الرأي بين شقيقين في تقدير وضعية معينة، يبني كل طرف فيها موقفه على عناصر وجيهة ومقنعة لا تخل بأي حال من الأحوال بالثوابت التي تبقى ثابتة مهما كانت الظروف، وما دام أي من الرجلين لم ولن يفصح عن ملابسات سحابة الصيف العابرة هذه، فمن الأسلم لنا جميعًا أن نحجم عن التأويلات حتى “لا يتراص علينا الإخوة”.

يمكنني أن أشبه هذا الموقف بحادثة عرفها تاريخنا السياسي الحديث تكاد تكون مثيلة لهذه، وقعت قبل خمسة عقود من الآن بين شقيقين رئيس ووزيره.

في شهر فبراير من سنة ١٩٧٧، كان الرئيس الروماني آنذاك نيكولاي تشاوشيسكو، الذي كان صديقًا حميمًا لفخامة الرئيس المختار ولد داداه رحمه الله وكان من أقطاب قادة حلف وارسو المهيمن في الدول الشرقية، يقوم بزيارة دولة لبلادنا وحرص المختار رحمه الله أن يخصص له كل مظاهر الاحتفاء والاحتفال وكان من ضمن تلك المظاهر استدعاء مئات الجمالة من الداخل وتنظيم سباق جمال بالمناسبة، وهو ما استوجب بقاء هذه القطعان ليالي في ضواحي مدينة نواكشوط وهي أرض جدب لا مرعى فيها، وكانت السنوات سنوات جفاف وقحط عمت فيها المجاعة أجزاء كثيرة من البلاد وقدم المجتمع الدولي إغاثة للسكان المنكوبين منها حبوب وكانت وزارة التنمية الريفية هي التي تدير هذا المخزون آنذاك، فطلبت الرئاسة من الوزارة تخصيص كميات من ذلك المخزون لتكون علفًا للجمال المستنفرين، فرفض الوزير ذلك بحجة أن هذه الحبوب موجهة لغذاء البشر الجياع ولن يحولها إلى غذاء للمواشي، ولم يكن الوزير غير المرحوم عبد الله ولد داداه شقيق الرئيس، فلم يتردد المختار وأقاله بسبب عدم تنفيذ الأوامر، لكن بقي المختار المختار وعبد الله عبد الله وكليهما عمر الآخر وبصره فقد كان كل واحد منهما على حق في موقفه، ولم تكن تلك نهاية المسار المهني لعبد الله في خدمة الدولة الموريتانية، فكان بعد ذلك سفيرًا في بلجيكا وفي واشنطن إلى أن بلغ سن التقاعد.

موجبه أن أسباب خروج معالي الوزير محمد أحمد من التشكيلة الوزارية الحالية، لا أعتقد أن يدرك كنهها إلا معاليه وفخامة الرئيس، ونحن على يقين أن لكليهما موقفه الوجيه في هذا الوضع، كما أننا على يقين من أن هذه ليست هي نهاية المسار المهني لمعالي الوزير محمد أحمد، فقد دخل الوزارة شريفًا وخرجها شرفًا و”أبقى ثناء مخلدًا ولم يعش عيشًا مذممًا” وليست هذه المرة الأولى التي يقع هذا الموقف بين الإخوة القادة.

كما أن طموحنا لمعالي الوزير محمد أحمد أصبح يتجاوز الوزارة.

أحمد سالم أحمد
الرباط في ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى