زيلنسكي.. أول ضحية للديزل! / بقلم : ا.د كريم فرمان

في مقاله الجديد «زيلنسكي.. أول ضحية للديزل!»، يقدم الأستاذ الدكتور كريم فرمان، الكاتب والأكاديمي العراقي وأستاذ القانون والنظم السياسية بجامعة الأخوين في إفران بالمغرب سابقاً، قراءة سياسية تستشرف مآلات الحرب الروسية الأوكرانية في ضوء المصالح الاستراتيجية وحسابات الطاقة وموازين القوة الدولية.
وينطلق الكاتب من فرضية أن أي تسوية محتملة بين واشنطن وموسكو قد تضع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي أمام خيارات صعبة، تشمل تقديم تنازلات سياسية أو ترابية، إذا اقتضت مصالح القوى الكبرى ذلك. ويستحضر محطات تاريخية وتجارب دبلوماسية لتأكيد أن العلاقات الدولية لا تحكمها المبادئ المعلنة وحدها، بل أيضاً منطق المصالح والمساومات.
وتكتسب أهمية المقال من سياقه السياسي الراهن، حيث تتشابك الحرب والطاقة والأمن الأوروبي، وتُطرح ت ساؤلات بشأن مستقبل أوكرانيا وحدود التعويل على الضمانات الخارجية. كما يلفت إلى درس جوهري: الدول التي لا تمتلك عناصر قوة مستقلة قد تجد نفسها رهينة تسويات يحدد الآخرون شروطها، مع بقاء سيناريو «صفقة الديزل» فرضية تحليلية غير محسومة.
المصــدر : الكــــاتب /
في عالم السياسة الدولية، لا مكان للدموع، ولا قيمة للعهود المكتوبة بحبر العواطف. هذه هي السياسة لا تستند إلى مبادئ أو قيم مستقرة، بل مصالح مستمرة، وتنازلات، وتسويات شاقة. وفي مشهد النهاية المتوقع لحرب شرق أوروبا، يبدو أن الرئيس الأوكراني المشاكس فولوديمير زيلنسكي في طريقه ليكون أول ضحية لـ “صفقة الديزل” الكبرى؛ تلك الصفقة البراغماتية التي تلوح في الأفق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي العائد دونالد ترامب، لتشكل آخر مسمار في نعش الطموحات الأوكرانية لاستقلال قطار ترامب السريع نحو إيجاد حل حاسم للحرب.
عبقرية الرواد: السياسة مساومات لا حلول
تُعيدنا هذه الواقعية المفرطة إلى ما كان يلقنه لنا جهبذ الفكر الدبلوماسي العراقي، الراحل الدكتور كيلان محمود رامز، أستاذ مادة الدبلوماسية في كلية القانون والسياسة بـ جامعة بغداد خلال عقد الثمانينات من القرن المنصرم. كان الدكتور كيلان رحمه الله يردد دائمًا بعمق
“العمل السياسي ليس فيه حلول مطلقة، بل هناك مساومات وتسويات ، في النزاعات والخصومات الدولية، لا يوجد طرف واحد يملك كل أوراق الحل لكي يفرضه، لأنك في البيئة الدولية تتعامل مع سيادات دول، وليس مع مجتمعات محلية تخضع لسلطة القانون الداخلي”.
هذه الرؤية الرامزية تتطابق تمامًا مع ما يؤكده البروفيسور تيري رامسي من جامعة بنسلفانيا، حين عرّف السياسة بأنها “سلسلة من المقايضات الصعبة” (Trade-offs). وهي ذاتها الفلسفة التي صاغها الملك المغربي الراحل والمثقف الحسن الثاني – رحمه الله – بزاوية أكثر استشرافًا حين قال: “السياسة ليست فن الممكن فحسب، بل إنها فن التوقع”. والتوقع اليوم يشير إلى أن براميل الديزل وتدفقات الطاقة ستسحق تحت عجلاتها الخطوط الحمراء الأوكرانية.
صفقة الديزل المصالح فوق المبادئ
عندما يقرر ترامب وبوتين الجلوس إلى طاولة المفاوضات، لن تكون “سيادة أوكرانيا” أو “الديمقراطية” هي البنود الأولى، بل ستكون معادلات الطاقة، والغاز، والديزل، وإعادة تقاسم نفوذ الأسواق هي المحرك الأساسي. لقد استنزفت الحرب الخزانة الغربية، وبات الديزل الروسي الذي يجد دائمًا ممرات التفافية للوصول إلى الأسواق العالمية ورقة مساومة ضخمة. ترامب العقلية التجارية التي تدير الدول بمنطق “الصفقة” (The Art of the Deal)، يرى في إنهاء الحرب مصلحة أمريكية لخفض التضخم العالمي وتأمين مصادر الطاقة، حتى لو كان الثمن إجبار زيلنسكي على تقديم تنازلات ترابية موجعة وتخليه عن حلم الانضمام لحلف الناتو.
التاريخ يعيد نفسه: تسويات وتنازلات دولية كبرى
إن التضحية بالحلفاء الصغار على مذبح مصالح الكبار ليست بدعة في النظام الدولي، فالتاريخ مليء بالشواهد:
* مؤتمر يالتا حيث جلس روزفلت وتشرشل وبوتين الجد (ستالين) لتقسيم أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فتقررت مصائر دول وشعوب (مثل بولندا ودول البلطيق) دون استشارتها، إرضاءً لروسيا السوفيتية وضماناً للاستقرار بين القوى العظمى.
* مؤتمر ميونخ (1938) حين تنازلت بريطانيا وفرنسا عن أجزاء من تشيكوسلوفاكيا لصالح هتلر في محاولة وهمية لشراء السلام.
* التسوية الأمريكية الصينية (1972): حين زار ريتشارد نيكسون بكين وضحى بالمواقف الأيديولوجية السابقة تجاه تايوان من أجل خلق توازن قوى جديد ضد الاتحاد السوفيتي.
اليوم، يواجه زيلنسكي نفس المصير؛ لقد انتهت صلاحية “البطل المشاكس” في واشنطن، وجاء وقت الحسابات الرقمية الباردة.
تحية وفاء واعتزاز: البروفيسور كيلان محمود رامز
وبعيدًا عن صخب الديزل ودهاليز بروجسكي، تستوجب أمانة العلم وأخلاق الزمالة الفكرية أن نخص الأستاذ الراحل د. كيلان رامز بتحية وفاء واعتزاز ملؤها الفخر والأسى معًا. هذا العالم العراقي الجهبذ الذي طواه النسيان وعقّه بنو قومه، كان نابغة استثنائية بكل المقاييس:
* نال المرتبة الأولى في الدراسة الثانوية على مستوى العراق كافة.
* شد الرحال مبكرًا ليتلقى علومه في أعرق قلاع المعرفة العالمية؛ فتخرج من جامعة أكسفورد، ثم طار إلى الولايات المتحدة لينال الماجستير من جامعة هارفارد، قبل أن يعود لبريطانيا ليتوج رحلته بالدكتوراه من جامعة كامبريدج العريقة.
* ولم يكن أكاديميًا حبيس الجدران فحسب، بل مارس الدبلوماسية تطبيقًا لا تنظيرًا، حيث عمل سفيرًا لجمهورية العراق في كندا، ومستشارًا رفيعًا في ديوان وزارة الخارجية ببغداد.إن استذكار د. كيلان اليوم في سياق تحليل الحرب الأوكرانية ليس ترفًا، بل هو إثبات بأن تلامذته ما زالوا يقرأون الأحداث الدولية بالنظارات الواقعية الصارمة التي تركها لهم في قاعات جامعة بغداد.
خـــــــــاتمة: قسوة الجغرافيا ولعنة الرهانات الخاطئة
في الختام، تؤكد “صفقة الديزل” المتوقعة حقيقة أزلية: في البيئة الدولية، من لا يملك أوراق قوته الذاتية، يصبح هو نفسه ورقة مساومة على طاولات الآخرين. لقد راهن زيلنسكي على وعود “المبادئ المستقرة” للغرب، ونسي أن الدبلوماسية كما علمنا د. كيلان رامز هي فن المقايضات والتنازلات.
ستنتهي الحرب عاجلاً أم آجلاً بتسوية جغرافية وسياسية تفرضها القوى العظمى، وسيرحل زيلنسكي كأول ضحية لواقعية “الديزل” الباردة، بينما تبقى كلمات الحسن الثاني محلقة فوق المشهد: إنها “فن التوقع”.. ومن لم يتوقع غدر المصالح، داهمته الصفقات وهو في غفلة من أمره. رحم الله البروفيسور كيلان رامز، فقد كان يقرأ المستقبل في أروقة كامبريدج ويزرع الوعي في عقول أجيال بغداد.




