الأخبارالرأي

ذهبت أعمارنا… حين يصبح العمر ثمنًا للوفاء، ويصبح الصبر ضريبة للكفاءة / بقلم: المهندس أحمد ولد أعمر

المهندس أحمد ولد أعمر

ثمة لحظة في حياة الإنسان لا تقاس بالسنوات التي عاشها، بل بالأحلام التي اضطر إلى دفنها وهو لا يزال قادرًا على تحقيقها. لحظة يقف فيها المرء على حافة العمر، لا منهكًا بما يكفي ليستسلم، ولا مطمئنًا بما يكفي ليواصل الطريق دون أن يلتفت خلفه.

في تلك اللحظة، لا يسأل الإنسان نفسه: ماذا أنجزت؟ بل يسأل سؤالًا أشد قسوة: كم من عمري أنفقتُ لأصل إلى ما كان ينبغي أن أصل إليه منذ زمن؟
وحين استحضرتُ سيرتي، وجدتُ أنني أستطيع اختصار عقود من العمل والتجربة في جملة واحدة:
ذهبت أعمارنا بين مطرقة الكفاءة وسندان المألوف.
عدتُ يومًا من الغربة أحمل من المعرفة ما يكفي لصناعة حلم، ومن الطموح ما يكفي للإيمان بأن الوطن يتسع لكل من يريد أن يضيف إليه شيئًا.
كنتُ أظن أن الطريق إلى خدمة الوطن يبدأ من امتلاك الكفاءة، وأن الاعتراف بالجهد نتيجة طبيعية للعمل، وأن المؤسسات تكبر حين يكبر أبناؤها، وأن المعرفة تفتح الأبواب التي تغلقها المصادفات.
لكنني اكتشفتُ، مع مرور السنوات، أن المسافة بين ما تستطيع أن تقدمه وما يُسمح لك بتقديمه قد تكون أطول من العمر نفسه.
لم أتوقف.
استبدلتُ الأحلام بالمشاريع، والأفكار بالمبادرات، والطموحات بالإنجازات. تعلمتُ الهندسة لأفهم كيف تُبنى الأشياء، والإدارة لأفهم كيف تُدار، والاتصال لأفهم كيف تصل الأفكار إلى الناس، والسياسة المحلية لأفهم كيف تتحول حاجات المواطنين إلى قرارات، وكيف يمكن للقرار أن يظل حبيس الأوراق حتى تفقد الحاجة صبرها.
أسستُ ما أسستُ، وأدرتُ ما أدرتُ، وعبرتُ مراحل مختلفة من تاريخ هذا البلد، وعرفتُ أربعة أجيال من نخبه، وتعاملتُ مع حكوماته المتعاقبة بمنطق الخدمة والمهنية، محافظًا على استقلال موقفي، وعلى المسافة التي تسمح لي باحترام الجميع دون أن أكون تابعًا لأحد.
ومع ذلك، اكتشفتُ أن الاستقلال الذي يمنح الإنسان حريته قد يحرمه أحيانًا من الامتيازات التي يحصل عليها من اختاروا الاصطفاف بدل الكفاءة.
ففي بعض البيئات، لا تكفي أن تكون قادرًا على العطاء؛ بل يُطلب منك أن تتقن فن الاقتراب قبل أن يُسمح لك بالإسهام.
وهنا تبدأ المأساة الصامتة.
لم تذهب أعمارنا كلها في البناء، بل ذهب جزء كبير منها في إزالة العوائق التي وضعها آخرون أمام البناء.
لم ننفق سنواتنا كلها في الإبداع، بل أنفقنا بعضها في إقناع من لا يؤمنون بالإبداع بأنه ليس ترفًا.
ولم نستهلك طاقاتنا كلها في خدمة الوطن، بل استهلكنا الكثير منها في انتظار توقيع، أو موافقة، أو فرصة، أو مسؤول يدرك أن الكفاءة ليست تهديدًا لموقعه.
لقد أمضينا سنوات نشرح البديهيات، وندافع عن الممكن، ونبرر حقنا في أن نكون نافعين.
وما أقسى أن يقضي الإنسان نصف عمره في اكتساب المعرفة، ثم يقضي نصفه الآخر في محاولة إقناع الآخرين بقيمتها!
رأينا وجوهًا تأتي وأخرى ترحل، ومناصب تُمنح وأخرى تُسحب، ووعودًا تولد مع كل مرحلة ثم تشيخ قبل أن ترى النور.
ورأينا كيف يستطيع الزمن أن يصنع من بعض الناس مسؤولين، دون أن تصنع المسؤولية منهم أصحاب رؤية.
وكيف تتحول الخبرة أحيانًا من قيمة ينبغي استثمارها إلى عبء يخشاه من لا يملكونها.
ومع ذلك، لم نتعلم الحقد.
تعلمنا الصبر، وربما بالغنا فيه.
تعلمنا الصمت، وربما دفعنا ثمنه.
وتعلمنا أن نواصل العمل حتى حين لا يرانا أحد، وأن نحتفظ بكرامتنا حين تضيق بنا الفرص، وأن نبتسم في وجه الخيبات لأننا لم نرد أن نورث أبناءنا مرارة الهزيمة.
لكنني أدرك اليوم أن للصبر وجهًا آخر.
فالصبر حين يطول دون أفق قد يتحول من فضيلة إلى استنزاف، والصمت حين يصبح عادة قد يتحول من حكمة إلى تنازل، والوفاء حين لا يقابله إنصاف قد يصبح امتحانًا قاسيًا لكرامة الإنسان.
وأخطر ما يمكن أن يصيب صاحب التجربة ليس أن يفقد موقعًا أو فرصة، بل أن يفقد إيمانه بإمكانية التغيير.
أن يجد نفسه ذات يوم يشرح لشاب متحمس لماذا لا تسير الأمور كما ينبغي، ولماذا لا تكفي الشهادة، ولماذا لا تنتصر الكفاءة دائمًا، ولماذا ينبغي للأحلام أن تنتظر حتى يأذن لها الواقع بالمرور.
ثم يسمع صوته، فيكتشف أنه أصبح يعلّم الأجيال الجديدة كيف تتعايش مع العوائق التي قضى عمره يحاول إزالتها.
هناك تحديدًا لا نخسر معركة، بل نخشى أن نخسر المعنى الذي خضنا من أجله كل المعارك.
لا أكتب هذا لأطالب بمكافأة على سنوات مضت، ولا لأحصي ما قدمتُ وما لم أحصل عليه.
فالخدمة التي تتحول إلى فاتورة تفقد شيئًا من نبلها، والعطاء الذي لا يعيش إلا بالتصفيق لا يستحق أن يسمى عطاءً.
لكنني أكتب لأنني أصبحتُ أخشى على الوطن من خسارة أعمار أبنائه أكثر مما أخشى على أبنائه من خسارة الفرص.
فالأوطان لا تخسر فقط حين يغادرها علماؤها ومهندسوها ومبدعوها؛ إنها تخسر أيضًا حين يبقون فيها بأجسادهم، بينما تُستنزف أفكارهم في الانتظار، وتُدفن طاقاتهم تحت ركام الإجراءات والمجاملات والحسابات الضيقة.
وأشد أنواع هجرة العقول قسوة أن يهاجر عقل الإنسان من أحلامه وهو لا يزال يعيش في وطنه.
لقد أدركتُ، بعد كل هذه السنوات، أن العمر لا يُقاس بما أنجزناه وحده، بل بما كان يمكن أن ننجزه لو وجدنا البيئة التي تستحق قدراتنا.
وأن خسارة الكفاءات ليست دائمًا في إقصائها الصريح، بل قد تكون في تأجيلها المستمر حتى تفقد الفرصة معناها، ويصبح الاعتراف المتأخر أشبه باعتذار لا يعيد شيئًا مما مضى.
ومع ذلك، لا أريد أن أختم هذه السيرة بالحسرة.
فما زلتُ أؤمن بأن الإنسان لا يشيخ حين يتقدم به العمر، بل حين يتوقف عن الإيمان بجدوى ما يعرف وما يستطيع.
وما زلتُ أؤمن بأن الوطن، مهما ضاقت مؤسساته، يظل أكبر من أخطاء من يديرونها، وأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بما نحصل عليه منه، بل بما نظل مستعدين لتقديمه له دون أن نتخلى عن كرامتنا.
لكن ثمة حقيقة لم أعد أستطيع تجاهلها:
ليس من العدل أن يظل الوطن يطلب من أبنائه الصبر، دون أن يسأل نفسه عمّا فعل بأعمارهم.
وليس من الإنصاف أن يُطلب من صاحب الخبرة أن يثبت كفاءته كل صباح، بينما تكفي غيره مصادفة عابرة ليجد نفسه في الموقع الذي انتظرته الكفاءة عقودًا.
لقد ذهب من العمر الكثير، ولم يعد في الوقت متسع لإعادة التجارب نفسها، أو تكرار الخيبات ذاتها، أو انتظار اعتراف يأتي بعد أن تنطفئ الحاجة إليه.
ولعل أكثر ما يؤلمني اليوم ليس ما فاتني شخصيًا، بل ما فات وطني من إمكانات كان يمكن أن تتحول إلى مؤسسات ومشاريع وفرص وأجيال أكثر ثقة بالمستقبل.
فالعمر الذي يضيع من الإنسان خسارة فردية، أما العمر الذي يضيع من الكفاءة فهو خسارة وطنية.
وحين أقول: «ذهبت أعمارنا»، فإنني لا أرثي سنواتي وحدها، بل أرثي زمنًا طويلًا ظللنا فيه نحاول أن نثبت أن لهذا الوطن أبناء قادرين على خدمته، دون أن يضطروا إلى استجداء حقهم في المشاركة في بنائه.
وإذا كان لنا من رجاء أخير، فهو ألا تضطر الأجيال القادمة إلى كتابة المقال نفسه بعد أربعين عامًا.
فليس أقسى من أن يقضي الإنسان عمره في انتظار فرصة لخدمة وطنه، ثم يكتشف أن الوطن كان في أمسّ الحاجة إليه طوال ذلك الانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى