افتتاحية الصدىالأخبارمقالات و تحليلات

مهرجانات الاقالات والتعيينات .. حيث تنتعش سوق المهرجين .. وتُستباح هيبة الدولة/ بقلم: محمد عبد الرحمن المجتبى

محمد عبد الرحمن المجتبى / المدير الناشر رئيس التحرير لمجموعة الصدى للاعلام

كتب : رئيس التحرير / محمد عبد الرحمن المجتبى

لا مشكلة في توافد الناس على هذا المسؤول أو ذاك لتهنئته بمانسبة تعيينه أو التضامن معه بعد اقالته من منصب رفيع،  فالعلاقات الإنسانية والاجتماعية تظل مشروعة ما دامت قائمة على الصدق والاحترام. وضمن أطر  النظم الاخلاقية للمجتمع والسيادية للدولة

 

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الممارسات إلى مواسم لاستعراض الولاء، وسباق محموم نحو أصحاب النفوذ، ومحاولات مكشوفة لاستثمار المناصب والقرارات الإدارية في بناء المصالح الشخصية.

 

في بلادنا، يبدو أن سوق المهرجين والمتزلفين يشهد انتعاشًا لافتًا مع كل تغيير حكومي جديد  أو  إقالة مسؤول كبير من منصبه، أو ترفيع آخر،  حيث تدبج معلقات الثناء شعرا ونثرا ، و تتحول بعض الصالونات والمجالس إلى مسارح للمجاملة السياسية، يتنافس الحاضرون عبرها  في إظهار القرب و الولاء ، وكأن قيمة الأشخاص تُقاس بمواقعهم في هرم السلطة، لا بما  بحوزتهم من الكفاءة وما قدموا للوطن من أداء، وما يتحلون به من الخبرة والنزاهة.

 

 

الأكثر إثارة للقلق أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة  على المهرجين والطفيليين بل تسللت  إلى الطبقة السياسية، والدينية و تجد  قبولا وترحيبا  لدى بعض أصحاب القرار،رغم ما تسبتطنه من طمس لمعايير الاستحقاق و خدش لصورة الدولة ومكانة مؤسساتها.

 

والأشد استغرابًا أن يظهر وزراء ومسؤولون حكوميون، يمثلون الدولة و يفترض أنهم يحافظون على وقارها وهيبتها، في بعض مشاهد التملق والتزلف للمُعيَّنين والمُقالين،  وهي مشاهد  تطرح  أسئلة ملحة حول  الحدود الفاصلة بين العلاقات الشخصية ومتطلبات المسؤولية العامة، وبين حرية المجاملة والواجب المؤسسي، فالمسؤول الحكومي السامي  ليس مجرد فرد يتحرك في المجال الاجتماعي؛ إنه يمثل مؤسسة يفترض أن تظل أكبر من الأشخاص وتقلبات مواقعهم.

 

 

و “الصدى” حين تثير هذه الظاهرة لا تشكك مطلقا في نوايا  من يقدم التهنئة أو يعبر عن التضامن، ولا تطالب بمصادرة حقوق  الناس في الاحتفاء بمن يستحق عليهم ذلك، و إنما تسلط الأضواء فقط على ظاهرة جديدة تستفحل مع الوقت و تجعل المسؤول الجديد جديرًا بالمديح قبل أن يُختبر، وتجعل المسؤول المغادر محورًا لموجة مفاجئة من المدائح و الإشادات ، بينما تتبدل المواقف والخطابات وفق اتجاه الرياح السياسية وموازين النفوذ، ويبدو الأمر جليا حين تتم اقالة مسؤول سام بسبب “غضب رسمي” لا نراه يزوره زائر ولايذكره ذاكر (ربما احترازا من انتقال العدوى)

 

هنا يتحول التملق من سلوك فردي إلى ظاهرة لها سوقها وروادها ومنافعها المحتملة؛ سوق يزدهر فيها خطاب  أصحاب المزاج “النفعي” المتقلب، ويجد فيها محترفو التزلف السياسي فرصًا لإعادة التموضع، فيما تتراجع فرص أصحاب الكفاءة الذين لا يجيدون فنون العرض والاستعراض في مثل هذه الحلبات.

 

ومن هذا المنطلق يتضح  أن استفحال هذه الظاهرة يشكل خطرا حقيقيا على الدولة والمجتمع لانه قد يعمق قناعة في المجتمع السياسي الموريتاني فحواها أن الطريق الأقصر والأكثر أمانا  إلى الفرص والمناصب يمر عبر  صالونات العرض والاستعراض هذه ، لا عبر الكفاءة والعمل والالتزام بالقانون.

 

 فعندما يصبح الظهور بجوار أصحاب القرار أكثر إغراءً وفرصا للتعيين والحصول على “المنافع” من الدولة ، ولا يتطلب الأمر سوى خبرة بسيطة في  الثناء  والمديح في مثل هذه المناسبات، بدلا معايير الخبرة و الأداء، فإن المجتمع لا يسيء إلى معاييره الأخلاقية فحسب، بل يضعف أيضًا شروط المنافسة العادلة ويشوش مفهوم الاستحقاق. لدى المواطنين خاصة اصحاب العقول والخبرات التي تحتاجها الدولة.

 

أما مشاركة بعض الوزراء و كبار المسؤولين في هذه المشاهد، فتستدعي قدرًا أكبر من الانتباه والمسؤولية. فرغم أنه ليس كل  حضور اجتماعي يعد  تجاوزًا، ولا كل علاقة شخصية تشكل تضاربًا مع الواجب العام، إلا أن المبالغة في الظهور في هذه الصالونات والقاء خطابات مفعمة بالاطراء والمديج على هذا المسؤول المعين أو المقال ، هو أمر غير مستساغ من شخص يمثل الدولة بكل سيادتها وسلطتها 

 

فأصحاب المناصب السامية (خاصة الوزراء)  من واجبهم المقدس أن يحرصوا على الفصل بين علاقاتهم الخاصة ومسؤولياتهم الرسمية، وأن يتجنبوا كل ما قد يوحي بأن القرب الشخصي معيار للتقدير أو مدخل للحصول على الامتيازات.

 

ولسنا بحاجة للتأكيد على أن هيبة الدولة لا تُصان بمواكب المهنئين، ولا تُبنى بكثرة المتزاحمين حول المسؤولين، ولا تحتاج إلى مهرجانات مديح تسبق الإنجاز أو تتبع مغادرة المنصب. إنها تُبنى باحترام القانون، ووضوح المعايير، والقدرة على الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وكلما جرى الخلط بين مكانة الشخص ومكانة المؤسسة، أصبحت الوظيفة العامة عرضة للتحول إلى مصدر للوجاهة الاجتماعية بدلًا من كونها تكليفًا ومسؤولية.

 

ومن هنا، لا تكفي إدانة التزلف في الخطاب أو السخرية من محترفيه؛ بل لا بد من معالجة البيئة التي قد تمنحه قيمة عملية. فحين تكون معايير التعيين والترقية واضحة، وتخضع الصفقات والامتيازات للرقابة، وتتاح الخدمات والفرص وفق قواعد معلنة، يفقد التملق كثيرًا من جدواه، ويستعيد العمل الجاد موقعه الطبيعي.

 

إن موريتانيا ليست بحاجة إلى مزيد من الضجيج حول الأشخاص، بل إلى ثقافة سياسية تضع الكفاءة فوق المجاملة، والإنجاز فوق الاستعراض، والمؤسسة فوق العلاقات العابرة. فليس كل من بالغ في الثناء وفيًّا، وليس كل من تحفظ في المديح جاحدًا، وليس كل من اقترب من أصحاب القرار جديرًا بالثقة. وما تحتاجه موريتانيا أكثر هو أن ندرك جميعا أن موريتانيا فوق الجميع؟

 

علينا أن ندرك جميعا أن الدولة ليست صالونًا للتزلف، والمنصب العمومي ليس غنيمة اجتماعية، والسلطة ليست دعوة مفتوحة إلى سباق الولاءات. وحين يصبح الإنجاز معيار التقدير، والقانون طريق الحقوق والفرص، والاستقلال في الموقف عنوانًا للنضج السياسي، ينحسر نفوذ المهرجين والمتزلفين، وتستعيد المؤسسات هيبتها، ويصبح احترام المسؤول ثمرة أدائه، لا انعكاسًا مؤقتًا لموقعه في خريطة النفوذ. ، وهذا ما تحتاجه موريتانيا اليوم أكثر من أي وقت مضى؟ ولا تحتاج أكثر منه سوى أن ندرك ونعي ونستوعب أن الوطن قبل وفوق الجميع!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى