الاستجداء في زمن الطمع… حين لم تعد الحاجة وحدها تمدّ اليد! / الدُّكْتُورُ تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِ الْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ

المصدر : الكابت /
في الماضي، حين كنا نرى متسولًا يمدّ يده إلى الناس، كان أول ما يتبادر إلى أذهاننا أنه جائع، أو فقير، أو ضاقت به سبل العيش حتى لم يجد ما يسدّ به رمقه. فكنا ننظر إليه بعين الرحمة، ونمدّ إليه يد العون، انطلاقًا من إنسانيتنا وشعورنا بمعاناة المحتاج.
أما اليوم، فقد تغيّرت صور الاستجداء، وتنوّعت أساليبه، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الفقير الذي أنهكه الجوع، أو الإنسان الذي عجز عن توفير أبسط مستلزمات الحياة؛ بل ظهرت صور أخرى من الاستجداء المقنّع، وأحيانًا الاستجداء المزيّف الذي قد يصل إلى حدّ الاحتيال واستغلال مشاعر الناس وطيبتهم.
أصبحنا نرى من يطلب المال، وهو يقود دراجة هوائية أو نارية، أو يمتلك مركبة، أو لديه محل تجاري، أو وظيفة، أو مصدر رزق، ومع ذلك لا يتردد في مدّ يده متى شعر أن أمامه شخصًا يستطيع أن يأخذ منه المال، ولا يعني هذا أن كل من يملك شيئًا قد انتفت حاجته؛ فقد يمرّ الإنسان بضائقة حقيقية، وقد تكون عليه ديون أو التزامات لا يعلمها أحد، لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: متى أصبحت المساعدة حقًّا يُطالَب به كل من يُظنّ أنه ميسور، بدلًا من أن تكون عونًا لمن تستدعي حاجته ذلك؟
لقد تعدّدت أشكال الاستجداء؛ فمنه المباشر الذي يطلب فيه الإنسان المال صراحةً، ومنه المقنّع الذي يأتي في صورة استدانة لا تُردّ، أو قصة تُروى لاستدرار العطف، أو طلب مساعدة يتكرر كلما صادف صاحبه شخصًا يعتقد أن لديه مالًا، ومنه ما يقوم على إحراج الآخرين، ووضعهم أمام الأمر الواقع، وكأن رفض الدفع جريمة، أو دليل على البخل وانعدام الإنسانية!
وهنا تكمن المشكلة؛ فليس كل من طلب محتاجًا، وليس كل من امتنع عن العطاء بخيلًا، وليس كل من امتلك مالًا أو وظيفة ملزمًا بتمويل رغبات الآخرين، فهناك فرق كبير بين مساعدة المحتاج، والاستجابة لضغط المستجدي، والوقوع ضحيةً لمن يتخذ من الحاجة المزعومة وسيلةً للكسب.
إن الرحمة قيمة عظيمة، ومساعدة الفقير واجب أخلاقي وإنساني، لكن الرحمة لا تعني أن نتخلى عن عقولنا، ولا أن نسمح لأحد باستغلال ضمائرنا، فحين يتحول العطاء إلى استغلال، وتصبح طيبة الإنسان مدخلًا للابتزاز، فإننا لا نساعد المحتاج الحقيقي فحسب، بل قد نشجع أيضًا من جعل الاستجداء حرفةً، والكذب وسيلةً، وأموال الآخرين غايةً.
والأخطر من ذلك أن كثرة الاستجداء المزيّف قد تزرع الشك في نفوس الناس، فتجعلهم يترددون حتى في مساعدة الفقير الصادق الذي لا يملك قوت يومه، وبذلك يكون المحتاج الحقيقي هو أول من يدفع ثمن استغلال المحتالين لمشاعر المجتمع.
لسنا مطالبين بأن نفتش في جيوب الناس، أو نحاكمهم بسبب ما يملكون، أو نحكم على حاجاتهم من مظاهرهم؛ فذلك ظلم لا نقبله. لكننا مطالبون بأن نميّز، قدر استطاعتنا، بين الحاجة الحقيقية والاستغلال، وأن نوجّه مساعداتنا إلى مستحقيها، وأن نتعلم كيف نقول «لا» بأدب حين نشعر أن الطلب ليس في موضعه، من غير إساءة إلى أحد ولا انتقاص من كرامته.
فالكرامة ليست في امتلاك المال وحده، بل في التعفف عن أموال الناس حين لا تكون هناك حاجة حقيقية إليها، والإنسانية ليست في أن نعطي كل من يمدّ يده، بل في أن نعين من يحتاج فعلًا، وألا نترك المحتاج الصادق ضحيةً لمن يتاجرون بعواطف الناس.
وأخيرًا، يبقى السؤال الذي أتركه لكل قارئ:
هل أصبح بعض الناس يستجدون لأنهم محتاجون فعلًا، أم لأنهم اعتادوا الأخذ كلما وجدوا من يعطي؟ وهل أصبح العطاء في بعض المواقف مساعدةً للمحتاج، أم استجابةً لضغط اجتماعي يستغل الحياء والرحمة؟
إن مجتمعًا يحفظ كرامة الفقير، ويرفض استغلال المحسن، ويشجّع العمل والتعفف، هو المجتمع الذي تستحقه إنسانيتنا.
الاستجداء المقنع التعفف الرحمة بالمحتاج لا لاستغلال الطيبة




