الأخبارفضاء الرأي

شكراً على تطوير آلياتكم.. لا داعي للعبث!/ محمد المنى

محمد المنى / كاتب صحفي موريتاني مقيم في أبوظبي

اطلعت الآن فقط على خطاب الجنرال المتقاعد (حديثاً) ووزير الدفاع الحالي ومرشح الانتخابات الرئاسية المقبلة محمد ولد الشيخ محمد أحمد، والذي أعلن فيه -أمس الجمعة- ترشحه للانتخابات، موضحاً الخطوط العريضة لبرنامجه الانتخابي المنتظر. وقد خرجت منه بمجموعة انطباعات وأفكار أولية لم أجد مبرراً لنشرها هنا بعد أن لاحظت أن المدونين سجلوا معظمها ونشروه على صفحاتهم. ومع ذلك أريد أن أسجل هنا أن حفل إعلان الترشح، والذي تم إعداده والتخطيط له بعناية فائقة، لاسيما تصميم المنصة وكيفية ظهور «المرشح» ونص خطابه.. بالاعتماد على أخصائيين في مجالات الدعاية والإعلام والديكور والعلاقات العامة وإدارة حملات كسب الرأي العام.. لم يستطع الإفلات من حقيقة كونه مجرد حفل تنصيب وتسليم مهام من رئيس منصرف إلى رئيس قادم، حتى وإن غاب الرئيس المنصرف (لأمر ما) وحضرت زوجته التي حظيت بترحيب خاص من الرئيس المتسلِّم (لأمر ما أيضاً).

كما أتوقف عند عبارتين وردتا في خطاب الرجل؛ أولاهما قوله -مبرِّراً ترشحه ومبرهناً على أهليته للرئاسة- إنه عارف بمفاصل الدولة. وبذلك أثبت أنه لم يكن مجرد قائد عسكري لجيش حرفي مهني يأتمر بأمر المستوى السياسي، وإنما كان شريكاً في إدارة البلاد طيلة سنوات «العشرية» الماضية وما شهدته من إنجازات قليلة بالقياس إلى مداخيل هائلة تأتت لها خلال هذه العشرية، وبكل ما عرفته من فضائح فساد ونهب وإفلاس لم يسبق أن حدث ما يدانيها في جمهوريات الموز المشهورة بفساد طغمها العسكرية في حقب ماضية من تاريخ أميركا اللاتينية.

أما العبارة الثانية فكانت «التربية التي أنعم الله علي بها»، وذلك أيضاً في معرض تبرير ترشحه وإظهار أهليته للمنصب، وقد أراد الإشارة إلى نشأته في كنف أسرة من الزوايا تعتنق التصوف، وهذه ليست ميزة فريدةً في موريتانيا يترتب عليها استحقاقُ أعلى منصب في الدولة، إذ أن كثير اً من الموريتانيين قد نشؤوا نشأةً دينيةً تصوفيةً، لاسيما أبناء المشيخات الطرقية الكبيرة ذات الانتشار والمعروفة بإسهامها العلمي والأدبي. والغريب أن يفكر شخص متعلم ومرشح رئاسي في عصرنا هذا بطريقة «أنا ابن فلان، يا من تجهلونني»، في مجتمع طرأ على وعيه ما طرأ من تغيرات كبرى في ظل الدور الذي أصبح يلعبه الإعلام الجديد ووسائطه الاجتماعية المهيمنة.

بيد أن القائمين على الحفل لم يغب عنهم ذلك التغير في وعي المجتمع وتفكيره، فأرادوا ممارسةً أكبر قدر من التمويه والتعمية على جوهر ما يحدث من حيث هو عملية تسليم وتسلم، وذلك بإبعاد أي دور مباشر وعلني وصريح للإدارة العمومية في التعبئة للحفل، وإلى حد ما أبعدوا «حزب الحاكم» أيضاً.. إلا أن نوعية الحضور، ودور المؤسسة الرسمية، وخطاب المرشح نفسه.. كل ذلك أظهر وكشف الحقيقة التي لم يرد أحد هناك إظهارها أو الاعتراف بها.

وأمام هذا المشهد يحق لنا أن نتساءل بكل صدق وواقعية: ما الداعي للانتخابات أصلا، وهي عملية مرهقة ومكلفة مالياً وبدنياً ونفسياً، إذا كانت النتيجة محسومة سلفاً لصالح «مرشح الدولة»؟ أليس من الأولى أن نوجه المليارات التي تتكبدها خزينة الدولة جرّاء الحملة الانتخابية، فضلا عن الخسائر الأخرى غير المباشرة (مئات المناصب الوهمية التي يتم اختلاقها في وجه الحملة لشراء المؤيدين، وكذلك الأراضي والتمويلات والرخص والصفقات العمومية التي يتم منحها للغرض نفسه).. لصالح دعم المستشفيات التي لا تتوفر حتى على ضمادات الجروح، أو لبناء فصول دراسية للتلاميذ الذين يعانون التكدس في مدارس العاصمة وعواصم الولايات، فيتسربون إلى شارع الجريمة والانحراف؟

يحسن بنا أن نشكر العسكر على التحسينات الهائلة التي أجروها على آليتهم في التعاقب على سدة الحكم، وكونهم انتقلوا بها من فوهة الدبابة إلى صندوق «الاقتراع».. وهو تطور يحسب لهم على أية حال، لكنه يحسب قبلهم للمنتَظمين الأفريقي والدولي اللذين جرّما الانقلابات العسكرية وقررا عدم الاعتراف مستقبلا بأي سلطة تأتي عبر انقلاب عسكري، فتحتّم التكيف مع هذا المعطى الجديد ولو عبر الظهور بمظهر ديمقراطي: الرئيس يحترم الدستور، رفيقه الجنرال لن يترشح قبل الاستقالة من الجيش، وأخيراً تنظيم حفل لإعلان الترشح كما يحدث في الديمقراطيات الحقيقية!

لذلك علينا أن نطالب بتوفير المال والجهد والطاقات الكثيرة المستنزفة جراء الانتخابات وحملاتها الدعائية وعمليات تنظيم الاقتراع نفسها والإشراف عليها! وهنا أتذكر أن أحد فقهائنا نشر مقالا قبل أشهر قليلة من الآن قال فيه حرفياً إن ولد الغزواني أحق بالرئاسة من غيره، وكأنه يناقش خلاف الصحابة أو المهاجرين والأنصار حول موضوع الخلافة.. مسقِطاً من اعتباره العملية الانتخابية كآلية ديمقراطية لإفراز الإرادة الحرة لمجتمع بلغ سن الرشد وامتلك إرادته بمنأى عن تدخلات المؤسستين الرسمية والدينية.

كما أتذكر منشوراً أحدثَ لفقيهٍ آخر يتحدث عن تأييد ولد الغزواني باعتباره نوعاً من الرد الواجب علينا لجميل الأنصار لما قاموا به من إيواء ومؤازرة للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين.. في ربط ذهني للعملية الانتخابية العصرية الديمقراطية بعناصر اجتماعية وتاريخية ودينية لا تنتمي لأي من حقليها الدلالي النظري أو التداولي الإجرائي.

ومع ذلك فإن الفقيهين كانا يتحدثان بلسان الواقع كما هو دون مواربة، وكانا صادقين مع ذاتيهما حين تجنّبا أي حديث عن الديمقراطية الحقة والانتخابات النزيهة ودولة المواطنة والقانون والمؤسسات ونظام الحكم الرشيد. بل كان في ذهنهما شيء واحد هو سلطة “المتغلب” ووجوب طاعته.

لذلك أقول: كما بدأ الجنرال المنصرف يتحول من سند وداعم إلى عبئ ثقيل على الجنرال المقبل ومروجي صورته «السوبرمانية»، وربما أخذ يضع نفسه على مسافة منه، مسافة ستتسع وتزداد شقتها مع مرور كل يوم.. فإنه آن لموريتانيا أن تضع نفسها على مسافة من مسرح العبث المتواصل، وأن تسائل نفسها بجدية: ما الجدوى إذن من مواسم عبث كهذه؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى