الصدى الثقافي

“الكتب التي التهمت والدي”/ الشيخ نوح

صحيح أن البرتغال أهدت العالم روائيين عظام من حجم صاحب “العمى” جوزي سارماغو وكذلك شعراء كبار من طينة بيسوا و كمويس، إلا أن هذا العطاء فيما ما يبدو لم يتوقف، بل في زخم متصاعد، لا سيما بعد رواج حركة الترجمة وانفتاحها الكبير على الأدب اللوزوفوني.

 

أفونسو كروش صاحب الرواية الصغيرة حجما؛ ولكن المكثفة والعميقة vamos comprar um poeta أو “هيا لنشتر شاعرا” يكتب بطريقة تمزج بين الواقعية السحرية و”الميتاواقعية” حيث بإمكاننا اكتشاف نقد روائي لأطروحات ما بعد الحداثة، ومحاولات جادة لإضرام النار في إرث الحكي التقليدي؛ سبيلا إلى تجاوزه نحو مساحات من التجريب أكثر انطلاقا وانفلاتا من القواعد الصارمة البطريركية التي وضعها النقد المدرسي.

 

من خلال رواية صغيرة لا تتجاوز صفحاتها 112 صفحة بحروف رشيقة تكاد تنطق قبل قراءتها؛ يقدم كروش حكاية فيفالدو بونْفين، ذلك الموظف الحكومي الذي حاول الانتصار على روتين العمل البيروقراطي البارد بالقراءة والانغماس في عالم الكتب والروايات.

 

من الأدب الروسي إلى الأدب الإنجليزي إلى أمهات الروايات العالمية ظل فيفالدو يبحث عن مساحة للاستقالة من الروتين والإيغال في عوالم أخرى؛ حتى غرق وبشكل نهائي في عالم الكتب وابتلعته الصفحات، ليظل مصيره غامضا لفترة طويلة نسبيا إلى أن قام ابنه إلياس بونفين بالبحث عنه على مسافات غنية من القراءات؛ تمتد من ديستويفسكي مرورا براي بردبري (451 فهرنهايت) ووصولا إلى لويس ستفنسون وغيرهم من أعمدة الأدب العالمي.

 

رحلة لا تخلو من منسوب مبالغ فيه من المتعة والقلق والتوتير والتثوير. تثوير المواقف، وتثوير التراكيب، وتثوير اللغة ( حين يشبه تجاعيد وجه جدته بقميص لم تمر عليه مكواة منذ فترة)، كما يحملنا إلياس في رحلة بحثه عن أبيه الذي ابتلعته الكتب إلى عوالم ومتاهات شتى (ولعل أكبر المتاهات الكبرى هي المكتبات على حد رأي بورخيس) لكنها متاهات تقودنا إلى دواخلنا، حيث ندرك كم نجهل أنفسنا وكم نحن بحاجة إلى معرفة ذواتنا بحثا فيها عن المجهول في الآخر.

 

ولعل إدراك إلياس بعد أن بلغ 72 عاما أن بحثه عن أبيه ليس سوى بحثه عن نفسه، وأنه عثر على والده عندما عثر على نفسه؛ ليس إلا اعترافا رامزا بأننا من نتحكم في الماضي؛ ونعيد إنتاجه طبقا لقلقنا وأسئلتنا المؤرقة وليس العكس.

 

os livros que devoraram o meu pai أو “الكتب التي التهمت والدي” رواية صغيرة الحجم لكنها تقدم أسئلة كبيرة ذات علاقة بمستقبل الإنسان وأسئلة الحداثة وما بعد الحداثة، وتنسج من خيوط يمترج فيها الفلسفي بالاجتماعي بالأدبي رؤية للعالم مختلفة، عبر بناء معمار سردي متشابك ومعقد، يشبه إلى حد كبير تداخل الحياة المعاصرة وتشابك خيوطها، حيث تظل الأسئلة المصيرية حول الذات والآخر، حول الحدود بين المتعة والقلق، والتخوم الفاصلة بين الإنسانية والتطور العلمي، وبين الماضي والذكريات حدودا هلامية وملتبسة أحيانا، وواضحة ومتباينة أحايين أخرى، وربما هذا ما يفسر أن سر دهشتها هو تناقضها الظاهري وتناغمها في ذاتها وعمقها في الآن ذاته، لأن قشورها هي لبها، ولبها هو قشورها كما هو حال فص البصل.

 

إنها رواية تقدم قراءة لعلاقتنا بالكتب وبالمعرفة وبالآخر وبالذات بالتالي، وتعطي إشارة إلى أن الأدب اللوزوفوني ما زال يحفر لنفسه مكانته الخاصة في جدران الأدب العالمي، وذلك عبر عطاءات كتاب شباب مثل كروش الذي هو من مواليد مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

المصدر: تقدمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى