الأخبارمقالات و تحليلات

الأكاديمي العراقي البارز د.كريم فرمان يكتب “للصدى” : صفقة ترامب وإيران : عودة «شرطي الخليج» بنسخة جديدة

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

مقال سياسي تحليلي كتبه الأكاديمي العراقي البارز الدكتور كريم فرمان خصيصا للصدى ، مكتوب بعمق وبأسلوب رصين ولغة بسيطة، مباشرة، ومنطق صارم يفكك التعقيدات السياسية المترتبة على اتفاق ترامب وايران يستحق القراءة وتأمل مضامينه التي ستشكل صورة المنطقة لعقود قادمة .  (التحرير)

                                   المصدر : الكاتب

في عالم السياسة الواقعية، لا توجد عداوات دائمة، بل توجد مصالح يُعاد صياغتها فالاتفاق الجديد الذي أبرمه الرئيس دونالد ترامب مع طهران يمثل صدمة للمراقبين، لكنه في الجوهر يعيد إحياء عقيدة قديمة صاغتها واشنطن قبل عقود عودة إيران إلى دور “شرطي الخليج”.

لكن النسخة الجديدة من هذا الدور تأتي مع ترقية وتكليف إضافي فإلى جانب حماية الأمن الإقليمي بمفهومه القديم زمن الشاه، باتت إيران اليوم تلعب دور “شرطي المرور” في مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر أهمية لإمدادات الطاقة العالمية.

لقد أثبتت طهران أن الصبر في السياسة سلاح فتاك. صمدت إيران لسنوات تحت وطأة عقوبات قاسية، وفي النهاية، ظفرت باتفاق يبدو للوهلة الأولى عصياً على الفهم، بل ومناقضاً لكل الخطابات التصعيدية السابقة، تحقق هذا الاتفاق لأن واشنطن أدركت أن كلفة الحرب المباشرة باهظة، وأن تحقيق أهداف الحرب يمكن أن يتم عبر الدبلوماسية الذكية وتوزيع الأدوار، بدلاً من إطلاق الرصاص.

لكن إيران حققت من خلال هذه الصفقة مكاسب استراتيجية عديدة دون أن تتنازل عن أوراق قوتها الأساسية:

* بقاء الدرع الصاروخي: لم ينجح الاتفاق في نزع سلاح طهران الباليستي، والذي تراه درعاً لحمايتها.
* الاعتراف بالنفوذ، خرجت إيران من هذه التسوية كدولة إقليمية قوية فرضت شروطها بالصبر والمناورة.

معضلة الأذرع الأخطبوطية ومستقبل هرمز.
السؤال الكبير الذي يطرحه قادة المنطقة اليوم كيف سيفكك ترامب أذرع إيران الأخطبوطية الممتدة في العواصم العربية على شكل ميليشيات او تنظيمات مذهبية ؟ الإجابة الواقعية هي أن أحداً لا يعرف، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية لا تسعى لتفكيك هذه الأذرع، بل لترويضها وإدخالها ضمن معادلة توازن قوى جديدة تديرها واشنطن عن بُعد.

أما المعضلة الثانية فترتبط بمضيق هرمز. من سيعيد هذا المضيق إلى وضعه السابق كممر ملاحي دولي مفتوح ومضمون بالقانون الدولي؟

المنطق الصادم والجديد يقول إن أمريكا فوضت هذه المهمة لإيران نفسها. بدلاً من إرسال الأساطيل الأمريكية لحماية الناقلات، أصبحت طهران هي “شرطي المرور” الذي ينظم الحركة، ويقدم الخدمات ويمنح الضوء الأخضر لمن يشاء، ويفرض هيبته على الممر المائي الأهم في العالم.

إنها صفقة أمريكية ببراغماتية مفرطة إذ ان ترامب يشتري الاستقرار، وإيران تحصد النفوذ والمكاسب.
الا ان السؤال الجوهري ما عواقب هذا الاتفاق على دول الخليج العربي؟

حقيقة ان التحول المفاجئ في السياسة الأمريكية يضع دول الخليج العربي أمام واقع أمني وجيوسياسي معقد، ويجبرها على إعادة حساباتها بالكامل بناءً على المعطيات التالية:

* تراجع مظلة الحماية الأمريكية: توقيع الاتفاق يعني أن واشنطن لم تعد ترى في طهران تهديداً يجب سحقه، بل شريكاً يمكن إدارته. هذا التحول يضعف قيمة “الضمانات الأمنية الوجودية” التي اعتمدت عليها العواصم الخليجية لعقود.

* التعايش الإجباري مع النفوذ الإيراني: بقاء ترسانة إيران الصاروخية وأذرعها الإقليمية دون تفكيك يعني أن دول الجوار باتت مجبرة على التعامل مع إيران كقوة مهيمنة بحكم الأمر الواقع، وتطوير دبلوماسية “تصفير المشاكل” معها تجنباً لأي تصعيد غير محسوب.

* مفاتيح الاقتصاد تحت رحمة طهران: تحول إيران إلى “شرطي مرور” في مضيق هرمز يمنحها ورقة ضغط اقتصادية هائلة. شريان الحياة المالي لدول الخليج (صادرات النفط والغاز) بات يمر عبر بوابة تسيطر عليها طهران بمباركة أمريكية، مما قد يؤثر على ثقة المستثمرين الدوليين في استقرار المنطقة على المدى الطويل.

* سباق تسلح صامت: تفوق إيران الصاروخي والعسكري الذي شرعنه الاتفاق، قد يدفع الدول الخليجية الكبرى إلى تسريع خطط التسلح الذاتي وبناء تحالفات عسكرية بديلة وعميقة مع قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، فرنسا.الهند لتعويض الفراغ الذي تركه الانسحاب البراغماتي الأمريكي.

في النهاية، يبعث هذا الاتفاق برسالة أمريكية شديدة الوضوح للخليج: “أمنكم هو مسؤوليتكم، وقواعد اللعبة القديمة قد انتهت، لتصب في جوهر المنطق البراغماتي الأمريكي المعهود واللعبة الجديدة
في المحصلة، تثبت ان هذا الاتفاق بأن السياسة الخارجية الأمريكية لا تعترف بالعواطف، بل بلغة الأرقام وموازين القوى، لقد اختار ترامب الطريق الأقل كلفة لواشنطن، محولاً خصم الأمس إلى “حارس بوابة” اليوم، ومخلفاً وراءه خريطة أمنية جديدة في الخليج.

الرسالة الصادمة التي يحملها هذا التحول لعواصم المنطقة هي أن مظلة الحماية القديمة قد طُويت إلى الأبد، وأن قواعد اللعبة تغيرت؛ فبينما حصدت طهران ثمار “صبرها الاستراتيجي” لتصبح القوة المهيمنة على الملاحة والنفوذ الإقليمي، بات على دول الخليج العربي أن تخوض غمار مرحلة جديدة تعتمد فيها على قوتها الذاتية وبناء تحالفات مرنة. لقد انتهى زمن الحروب بالوكالة، وبدأ زمن التعايش الصعب تحت ظلال الصواريخ الإيرانية، وفي عالم يقوده منطق الصفقات، يبقى البقاء دائماً لمن يملك أوراق القوة على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى