الأخبارمقالات و تحليلات

من دموع المستنقع إلى عرش الذهب: كيف صنع “لي كوان يو” معجزة سنغافورة؟ / كتب ا.د كريم فرمان 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

المصدر : الكاتب /

في التاسع من أغسطس عام 1965، وقف رجل أمام كاميرات التلفزيون والدموع تخنق صوته. لم تكن هذه دموع فرح بـ “الاستقلال”، بل كانت دموع قلق مرير وخوف من مجهول مظلم. هذا الرجل هو “لي كوان يو”، المتخرج من جامعة كامبريدج والذي وجد بلاده فجأة مطرودة من الاتحاد الماليزي، وملقاة في أحضان المحيط الهندي كجزيرة صغيرة معزولة لا تملك عاصمة، ولا ظهيراً جغرافياً، ولا حتى قطرة ماء عذب واحدة للشرب. لقد تسلم “مستنقعاً” موبوءاً بالملاريا، تعصف به النزاعات العرقية، وتغيب عنه أي مقومات لبناء دولة.
بلد بلا أمل!!! كيف وُصفت سنغافورة وقتها؟
في تلك الحقبة، وصفت التقارير الدولية سنغافورة بأنها “قنبلة موقوتة” محكوم عليها بالفشل الحتمي اذ كانت الجزيرة عبارة عن ميناء تجاري متهالك، ينتشر فيه الفقر المدقع، وتتجاوز فيه معدلات البطالة كل الخطوط الحمراء ولم يكن هناك جيش يحميها، ولا مصانع تدعمها، ولا موارد طبيعية تُذكر. كانت مجرد بقعة جغرافية مزدحمة بالنازحين من عرقيات مختلفة (صينيين، مالايو، وهنود) يجمعهم الفقر وتفرقهم الصراعات الدموية. باختصار، كانت المعادلة المستحيلة، كيف تبني دولة من “لا شيء”؟
أسرار الخلطة السحرية لماذا نجح “لي كوان يو”؟
لم يلتفت “لي كوان يو” للمستحيل، وبدأ بصياغة استراتيجية صلبة ارتكزت على ركائز حاسمة غيرت مجرى التاريخ:

1. الاستثمار في البشر (التعليم واللغة): أدرك “لي” أن الإنسان هو المورد الوحيد لسنغافورة. ألغى المناهج التقليدية، وركز على العلوم والرياضيات والتكنولوجيا. كما اتخذ قراراً جريئاً بجعل اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للتعليم والإدارة لربط الشعب بالاقتصاد العالمي، مع الحفاظ على اللغات الأم للهويات العرقية.
2. محاربة الفساد بيد من حديد أسس “لي” مكتب التحقيق في ممارسات الفساد، ومنحه صلاحيات مطلقة لملاحقة أي مسؤول مهما كان منصبه. رفع رواتب الوزراء والموظفين لتنافس القطاع الخاص، مما جعل الوظيفة العامة شرفاً لا يقبل الرشوة، وبنى بيئة استثمارية هي الأكثر أماناً في العالم.
3. تحويل الموقع إلى أصل استراتيجي، بدلاً من البكاء على غياب النفط والمعادن، استغل “لي” موقع الجزيرة على خطوط الملاحة البحرية. طور ميناء سنغافورة ليصبح الأكبر والأكثر كفاءة في العالم، وجعل الجزيرة مركزاً عالمياً لتكرير النفط والخدمات اللوجستية دون أن تملك قطرة نفط واحدة في أراضيها.
4. جذب الرساميل الأجنبية قدمت سنغافورة تسهيلات ضريبية وتشريعية غير مسبوقة للشركات متعددة الجنسيات. تحولت الدولة إلى واحة آمنة للمستثمرين بفضل سيادة القانون واستقرار السياسة، مما نقلها سريعاً من الصناعات البدائية إلى قطاعات التكنولوجيا الدقيقة والتمويل.
5. الهوية الوطنية الواحدة ،فرض “لي كوان يو” قوانين صارمة تمنع التمييز العرقي أو الديني. وزع السكن الحكومي بنسب مئوية تجبر العرقيات المختلفة على العيش جنباً إلى جنب، فذاب التعصب وظهرت “الهوية السنغافورية”.

تقدم سنغافورة اليوم درسا وعبرة للدول الغنية الفاشلة فقد قدمت معجزة سنغافورة درساً قاسياً وصادقاً لكل الدول التي تسبح فوق بحيرات من النفط، أو تمتلك ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة، ومع ذلك تعيش في أزمات اقتصادية طاحنة.
العبرة هنا واضحة أن مجرد توفر الموارد لا تصنع الدول، بل الإدارة والإرادة هي من تفعل. إن غياب الفساد، وتطبيق القانون على الجميع، والتركيز على بناء الإنسان من خلال تعليم حقيقي، هي الثروة الحقيقية لأي أمة. لقد أثبتت تجربة “لي كوان يو” أن عقول الشعوب ونزاهة قادتها يمكن أن تخلق من المستنقعات عواصم للمال والأعمال، في حين أن سوء الإدارة والفساد يمكن أن يحول أغنى بلاد الأرض إلى ساحات للفقر والهجرة والتخلف. الاستقلال الحقيقي ليس علماً يرفع ونشيدا وطنيا ومحطة اذاعة ، بل هو اقتصاد يحمى، وإنسان يبني !!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى