هل فينا أفضل من أمنا عائشة، أو أسوء من الأفاك إبن سلول!!/محفوظ الحنفي

كنت نشرت تدوينات رأيت فيها أن الأستاذ محمد ولد أمين لم يقدم بعد أي دليل على صحة اتهاماته لمستلمي تبرعات الموريتانيين، وأنه استخدم ذات أسلوب السباب والشعبوية الذي أنكره على “خصومه” وعلى المدافعين عنهم..
وأما ردود هؤلاء المدافعين؛ فقلت إني قد أعلق عليها لاحقا.. وها أنا أحاول ذلك إن شاء الله..
وبداية أود التأكيد على أنني لم أجد أي رد من المعنيين المباشرين باتهامات ولد امين غير دعوة أحدهم لمناظرة تلفزيونية مع هذا الأستاذ دون أن أجد في تلك الدعوة ما يصلح دليل نفي للاتهامات التي وجهت إليهم.
لكنني في المقابل طالعت على هذا الفضاء سيلا من المنشورات لأشخاص يدافعون بكل استماتة عن أولئك “المتهمين” ويكيلون الشتائم والنقد لمن اتهمهم بالاحتيال وبسرقة أموال المتبرعين..
وما أريد إبداءه من ملاحظات هنا سيقتصر على الردود التي حاول أصحابها أن تتسم بشيء من العقلانية والتأسيس “المنطقي”، وليست تلك التي طبعها الكلام الإنشائي المرسل والسباب المسترسل..
وقد لاحظت أن تلك الردود بناها أصحابها على أساسين واضحين:
— أما الأول فيقول بأن الهدف من كل هذه الاتهامات إنما هو محاولة تقديم خدمة للموساد الإسرائيلي في محاولته كشف مسار تلك التبرعات وكيف يتم إيصالها لمستحقيها، وبالتالي فإن الأسلم هو تجاهل كل تلك التهم وعدم الرد على أصحابها منعا لتحقيق ذلك الهدف الخبيث..
— وأما الثاني فيقوم على أساس أن أصحاب هذه الاتهامات ليسوا بأنداد للقائمين على تلك التبرعات خصوصا أن فيهم العالم المتبحر الشيخ محمد الحسن ولد الددو حفظه الله ونفع به؛ وبالتالي فإنه ليس من اللائق بهم النزول لمستوى أولئك “العملاء” والرد عليهم.
وإليكم مجمل ملاحظاتي على هذه الردود:
أولا– إننا جميعا نعلم علم اليقين أن تبرعات الموريتانيين تم جمعها وتسليمها في جو إعلامي ودعائي وتنافسي علني، وتحت الأضواء الإعلامية الكاشفة، وعلى مرأى ومسمع من جميع القنوات وفي جميع الفضاءات المحلية والإقليمية والدولية؛ ولا شك أن أعين جميع مخابرات العالم، وفي مقدمتها الموساد الصهيوني ظلت تتابع تلك الحملة الكبيرة من بداياتها وحتى نهاياتها؛ وبدهي أن شيئا من ذلك لن يخفى على جهاز ظل يكشف ويصفي ويغتال ألد أعدائه وأكثرهم احترازا وأقواهم إجراءات أمنية، وفي جميع أنحاء العالم!!!
وكلكم خبير بأن إخواننا المرابطين الصامدين في الأرض المحتلة يحرصون على التمييز الجيد بين المساعدات الإنسانية التي يطالبون بها علنا، ويرسلونها علنا، ويوزعونها على مستحقيها علنا، وبين المساعدات ذات الأهداف القتالية والتي لا تجمع أو تعبأ أو تحصل إلا سرا، ولا تسلم إلا سرا، ولا تتسلم إلا سرا، ولا أحد يسمع عنها شيئا أو يأخذ عنها خبرا إلا حين تتحول إلى فعل ميداني مؤثر يتفاجأ به الصديق قبل العدو..
إذن؛ تبرعات الموريتانيين كتبرعات غيرهم ليس لها أي طابع سري، لا مصدرا، ولا وجهة، ولا مآلات نهائية!!
ومع ذلك فسنفترض جدلا أن لها ذلك الطابع السري الحساس.. لنسأل: وهل من شأن الرد على مدعي أنها راحت ضحية نصب واحتيال، ورفع دعوى قضائية ضدهم أن يرفع طابع السرية عنها وأن يكشف للعدو ما لا يجوز كشفه من أمرها أو أمر القائمين عليها، أو أن يكشف حقيقة مساراتها وطرق إيصالها؟!..
بالتأكيد لا وألف لا.. لأنه لا أحد من المعنيين طلب الكشف عن شيء من ذلك، بل كل في الأمر هو أن ولد امين وآخرين قد شهروا بالقائمين على تلك الصدقات واتهموهم بالنصب والاحتيال؛ فصار من حقهم وربما من واجبهم الدفاع عن أنفسهم والمطالبة بإثبات تلك التهم وتقديم الدليل عليها (أي تقديم الدليل على عدم وصول المساعدات، وليس الدليل على وصولها؛ لأن هذا الدليل الأخير لم يطلبه أحد ممن يملكون حق المطالبة به).
وفي هذه الحال فإن القضاء الموريتاني حين ترفع أمامه دعوى التشهير، لن يزيد على أن يطلب من المشهرين تقديم الدليل على صحة اتهاماتهم، فإن عجزوا أدينوا وإن نجحوا أدين الشاكون.. وفي الحالتين لن يكسب العدو شيئا..
وفي الحالتين أيضا؛ فإن التحقيق القضائي لن يزيد على إعلان النتيجة التي لن تكون إلا أحد اثنتين: التأكيد على صحة التهم وتبرئة مطلقيها من تهم القذف والبهت، أو نفي تلك التهم وإدانة مطلقيها بالقذف والبهت.. وبالقطع أنه ليس من عمل القضاء أن يتحدث عن ما قد يكشفه التحقيق من “أسرار” تخدم العدو وتضر بالمقاومة؛ لأنه قضاء دولة مستقلة وليس طابورا خامسا لأي جهة خارجية.
هذا بخصوص حجج الرد الأول على زاعمي حدوث عمليات نصب واحتيال..
ثانيا– أما الرد الثاني؛ فتأسس على القول بانتفاء “الندية” بين الطرفين؛ لذلك دعا أصحابه إلى تجاهل كلام ولد امين ومن لف لفه، مشددين على ضرورة تجنب الرد عليهم من “قامات” “ليست على مستواهم”!
وبالتجاوز عن الخوض في مدى سلامة فكرة “الندية” هذه ومعقوليتها ومشروعيتها شرعا وقانونا وعقلا.. إلا أنني رأيت في هذا القول عجبا عجابا من وجهين:
1) أما الوجه الأول؛ فلأنه يحمل نزعة تكبرية غير محمودة شرعا وعقلا..
2) وأما الوجه الثاني؛ فلأنه يجافي سنة نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم وهديه وعمله، وهو أمر لا يستحسن صدوره عن مسلم فكيف بجماعة يعتبرون أنفسهم “إخوانا مسلمين” أخوة خاصة ومتميزة وربما ممتازة عن الأخوة العامة الجامعة بين كل المسلمين!!.
وتفصيل بعض ذلك نستخلصه من قوله عليه الصلاة والسلام: “إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه”..
ولا شك أن من آكد حقك عليك أن تدافع عن عرضك وسمعتك إذا تم استهدافهما من أي كان..
ولعل أوضح مثال لذلك ما فعله صلى الله عليه وسلم حين انتشر في المدينة حديث الإفك الخبيث مستهدفا عرض نبينا الشريف وشرف أمنا المصون عائشة رضي الله عنها؛ حيث سارع عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام إلى فتح تحقيق شامل في الموضوع، وحتى قال شاكيا للأنصار ولصحابته الكرام: “من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي”؛ وكان (بأبي هو وأمي) يقصد رأس الفتنة والشقاق كبير المنافقين عبيد الله بن أبي بن سلول قبحه الله.
ولم يطمئن قلب رسولنا الأمين ولا قلوب أصحابه المؤمنين إلا بعد نزول براءة أمنا رضي الله عنها بشهادة من رب العالمين..
أفما كان يكفيه صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق أن يقول لمن اتبعه من المسلمين: “احذروا ولا تلتفتوا لهذا الإفك المبين؛ فهذه أم المؤمنين، زوج نبيكم وبنت صدقيكم وصاحب رسولكم الطاهرة المطهرة؛ فلا تنزلوا لمستوى هؤلاء الأفاكين ولا تردوا عليهم وأميتوا فريتهم بما تستحقه من تجاهل مطلق؟؟؟!!
بلى.. كان يستطيع بأبي هو وأمي؛ لكنه لم يفعل، لأنه كان يشرع لأمته ويعلم من أمروا بأن يقتدوا به؛ فعلمنا أنه لا أحد فوق الشبهات إذا اقترب منها أو أريد تقريبه منها، وأن رد الشبهات من حماية الأعراض وصون السمعة والشرف.، فوجب ذلك على المسلمين أجمعين.
فهل وجدتم أنتم بين القائمين على صدقات المتبرعين من ترون له مكانة فوق مكانة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أم هل وجدتم بين المشككين في مصير تلك التبرعات من تضعونه في مكانة أسفل من مكانة ابن سلول قبح الله قوله وأحبط سعيه؟؟!!
تلكم هي أكثر الردود وجاهة كما طالعتها على هذا الفضاء، وتلك هي أهم ملاحظاتي بشأنها، ويمكن أن أضيف إليها في عجالة ما يلي:
1) رأى بعضهم أن منتقدي القائمين على التبرعات ليس من المتبرعين أصلا؛ وبالتالي وجب تجاهلهم جميعا؛ وهو كلام لا يستقيم عقلا؛ وإلا فإننا جميعا لا نتوقف عن نقد تخلف أنظمتنا وجيوشنا عن القتال نصرة للحق الضائع في فلسطين ولأهله المظلومين؛ أفيحق لهم أن يردوا علينا بالقول: إننا لم نقاتل أصلا حتى يحق لنا الكلام في شأن القتال والمقاتلين؟!
إن ذلكم نهج معروف في الهروب يسمى “إستخدام الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع”!!
2) ورأى آخرون أنه إذا كان ولد امين ومن سار سيره يملك حقا الدليل على صحة اتهاماته فلماذا لم يرفع دعوى قضائية على من يتهمهم ليقوم القضاء بكشف الحقيقة وبإثبات صحة زعمه!!
ولا شك أن هذا القول إنما يصدر عن جهل أو تجاهل لحقيقة أن مطلقي الاتهامات ليس فيهم من يملك الصفة القانونية التي تمنحه حق رفع تلك الدعوى.. بينما يمتلك جميع القائمين على التبرعات كامل تلك الصفة لرفع دعوى التشهير والبهت على من شهر بهم؛ وحينها سيكون بمقدور القضاء فعلا إثبات أو نفي تلك التهم وإغلاق هذا السجال نهائيا؛ كما أوضحت آنفا..
لذلك بودي لو اجتهد أصحاب هذا الرأي في تشجيع المشهر بهم على رفع الدعوى ليكسبون منها ثلاثة مكاسب غاية في الأهمية، إن كانت دعاوى المشهرين باطلة:
— فأولا: ستظهر الحقيقة كاملة أمام كل من يهمهم ظهورها فعلا.. خصوصا أن المشهرين ليسوا مجرد شخص أو شخصين أو جماعة محدودة، وإن كان الرد العنيف اقتصر على عدد محدود منهم لأسباب كثيرة يمكن فهمها.
— وثانيا: سينال المشهرين جزاء افتراءهم وتبعات حصاد ألسنتهم.
— وثالثا: سيكون ذلك عبرة وعامل وزجر لكل من يتجرأ مستقبلا على توزيع الاتهامات الكيدية والمجانية على الناس عموما، وعلى رموز المجتمع ونخبه خصوصا..
— وأخيرا؛ وليس آخرا؛ ليزداد المؤمنون ببراءة المتهمين إيمانا على إيمانهم؛ ولكي لا يرتاب الطيبون ممن هم “على بابهم” وما أكثرهم.
وختاما، كأنني ببعضهم قد يعلق بمثل تعليقات رأيتها على عدة منشورات فيسأل: “وأين أنت يا صحاب هذا المنشور الطويل الممل من هذا السجال ومع من تقف؟؟!!”
فأقول: أنا مع الحق حين ينجلي، وفي انتظار ذلك أحتفظ بأصل البراءة لمن تم اتهامهم ممن لم يقدموا دليلا على صحة مزاعمهم؛ لكنني من المرتابين بسبب تجنبهم مواجهة خصومهم ورفع الدعوى القضائية عليهم، تماما مثلما أنا مرتاب في صحة الاتهامات التي وجهت لهم بسبب عدم كشف أصحابها لما زعموا أنه براهين بحوزتهم وأنهم جاهزون لتقديمها أمام القضاء الموريتاني إذا وجدوا لذلك سبيلا!!
و… {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}..
{والله من وراء القصد} {وهو يهدي السبيل}.
صدق الله العظيم




