الأخبارمقالات و تحليلات
الصداقة والنفاق / بقلم : الكاتبة والروائية المصرية سحر الألفي

في المساحة الرمادية من ذاكرتك يقبع أشخاص يشبهون الحرباء أكثر مما يشبهون أنفسهم، لا أقصد شكلهم بل قدرتهم المدهشة على تغيير ألوانهم وهيئاتهم وأفكارهم وفقًا للمكان والرفقة والمصلحة، ومن بين هؤلاء تبرز صديقة الحرباء تلك التي تمتلك وجهًا لكل مناسبة، ورأيا لكل مجلس، وموقفا يتبدل أسرع مما تتبدل الفصول، تمد لك يد المحبة اليمنى ويد العداء اليسرى ولكن بالخفاء واحذر أن تكشفها ستكون أنت الآثم.
تجدها معك مؤيدة لكل ما تقول، ثم تراها مع غيرك تتبنى الرأي المعاكس وكأنه قناعتها الراسخة منذ سنوات، لا تدخل خلافًا إلا وخرجت منه منتصرة ظاهريًا، لأنها لا تدافع عن مبدأ، بل تبحث عن الجهة الأقوى لتقف بجوارها وعن شاطئ المصالح لترسو عليه ، لا تستغرب حين تجدها وسط الفوضى العارمة أحيانا تكون من صنعها
صديقة الحرباء لا تكذب دائمًا ، لكنها نادرًا ما تكون صادقة بالكامل، فهي تنتقي من الحقيقة ما يخدم صورتها، وتخفي ما قد يكشف لونها الحقيقي، لذلك يصعب معرفة شخصيتها الحقيقية، لأنك لا ترينها كما هي، بل كما تريد هي أن تبدو حتى أمامك ، تظهر أحيانا لاستخدام كنية مستعارة وتنتسب لمكان مزيف وحتى تستفيد ترحل دون تبرير لأكاذيبها، حين يكثر عدد مكتشفيها، تدفن جسدها في رمل الصحراء وتعود إلى الا حياة حتى تنتقل إلي فريسة جديدة .
هذا النموذج لا يعرف مدى أهمية الحدود والمسافات الآمنة بين البشر فهدفها الاقتراب والالتصاق حتى تمتص منك كل شيء حتى تتشبه بك وتتعرف مثلك فين البعض انكم منسجمان، في تلك اللحظة تكون جددت شكلها وكسبت ثقة الآخرين فيك أنت ثم تختفي وتذهب لغيرك ، هي ليست وفية ، تمنحك الإحساس لبعض الوقت أنها تفتح لك الأبواب ثم تدخل مندفعًا فتغلقه على وجهك وبقوة، ثم تعاود الظهور لتواسيك وكأن شيء لم يكن ، قد ينجح هذا النوع من الأشخاص في كسب العلاقات مؤقتًا، لكنه يفشل غالبًا في بناء الثقة، فالناس قد تُخدع بالألوان فترة من الزمن، لكنها في النهاية تبحث عن شخص ثابت الملامح واضح المواقف.ليس العيب في التكيّف مع الظروف، فالحياة تحتاج إلى المرونة، وإنما العيب أن يصبح الإنسان بلا لون حقيقي ،وبلا موقف ثابت، أن يعيش مطاردا من نسخة أخرى داخله ينكرها ويرفض ظهورها للعلن ربما لعدم ثقته فيها أو لأنه يدرك أنها لا ترتقي لمستوى المجتمع من حوله وبلا هوية يعرف بها نفسه قبل أن يعرفه الآخرون، الحرباء تستطيع تغيير لونها، لكنها تظل حرباء في النهاية، أما الإنسان، فقيمته الحقيقية تكمن في ثبات مبادئه عندما تتغير الألوان من حوله.
المصدر : الكاتبة + الفجر الاماراتيه اليوم




