أخبار موريتانياالأخبارمنوعات

العنصارة.. حين تعلن واحات آدرار بداية “الكيطنة” وتستيقظ ذاكرة النخيل/ تحقيق: أحمد ولد الدوه الشنقيطي

يوافق السابع من يوليو7/7، وفق الحساب المحلي، منتصف فصل الصيف، وهو اليوم الذي يُعرف في واحات آدرار بـ”العنصارة”، حيث يُعلن رسميًا عن انطلاق موسم “الكيطنة”، أحد أبرز المواسم الزراعية والاجتماعية المرتبطة بالنخيل والتمر، والذي شكّل، على مدى قرون، جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية لسكان الواحات.

في هذا اليوم، يحرص ملاك النخيل، جيلًا بعد جيل، على عدم قطف أي ثمرة قبل الموعد المعلوم. ويبدأ صاحب الواحة جولته بين نخيله، فيقطف من كل نخلة بضع ثمرات، ويسمّي الله تعالى، ثم يحثو حفنات من التراب إيذانًا ببدء الموسم المبارك، لتبدأ بعد ذلك مرحلة “التكلاع” التي تسبقها مرحلة “التزمام”.

ولا تقتصر الكيطنة على جني التمور، بل تمثل موسمًا زاخرًا بالعادات والتقاليد والمصطلحات المحلية التي توارثها أهل الواحات، حتى أصبحت معجمًا شعبيًا يعكس تفاصيل الحياة الزراعية والاجتماعية في آدرار.

وفي هذا التحقيق نستعرض جانبًا من هذا الإرث الثقافي، من خلال التعريف بأشهر مصطلحات الكيطنة، وعادات أهل “الجدر”، وأسماء أصناف النخيل، والأدوات التقليدية المرتبطة بالسقي والحصاد، في محاولة لتوثيق جزء من الذاكرة الشعبية التي ما تزال حية في واحات النخيل.

فالكيطنة ليست مجرد موسم لجني الثمار، بل هي مناسبة للقاءات الأسرية، وإحياء قيم التعاون والتكافل، واستحضار الموروث الثقافي الذي صنعته أجيال من أبناء الواحات، وظل شاهدًا على علاقة الإنسان الشنقيطي بالنخلة، تلك الشجرة المباركة التي كانت ولا تزال رمزًا للعطاء والصمود.

التزمام.. تقدير المحصول وإخراج الزكاة

وقبل الشروع في “التكلاع”، يحرص أصحاب الواحات على تقدير المحصول وإحصائه، فيما يُعرف محليًا بـ”التزمام”، تمهيدًا لإخراج زكاة الثمار إذا بلغ المحصول النصاب الشرعي، وهو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا، أي ما يعادل نحو 653 كيلوغرامًا تقريبًا من التمر، وفق تقدير جمهور الفقهاء.

ثم تؤدى الزكاة إلى مستحقيها من الفقراء والمساكين وابن السبيل، شكرًا لله على نعمته، وتزكيةً للمال، وتجسيدًا لمعاني التكافل والتراحم.

وهكذا لا يمثل موسم العنصارة بداية جني الثمار فحسب، بل يجسد منظومة متكاملة من القيم الدينية والاجتماعية، حيث تمتزج بركة الأرض ببركة العطاء، وتلتقي العادات الأصيلة بهدي الشريعة، في مشهد يعكس عمق ثقافة أهل النخيل وارتباطهم بالأرض والعمل وشكر المنعم سبحانه وتعالى.

مصطلحات من الكيطنة

هذه مفردات رأيت من المفيد شرحها لكل غريب يفد إلى واحات آدرار في موسم الكيطنة، فهي تصلح دليلًا لكل سائح يقصد أحد الوديان، وتنقذه من شيء نسميه محليًا “صَفْرُ”، وهو ضريبة اجتماعية يدفعها الجاهل ببديهيات الحياة في الواحات.

ومن أبرز هذه المصطلحات:

الخراط والخراطة: هم الذين يقطفون الثمار من الأعذاق والعراجين بطريقة غير فنية، مستغلين أوقات الراحة، وآخذين ما ليس لهم، والمفرد “خرّاط”.

أطياح: الثمار المتساقطة تحت النخيل، ويُسمح بالتقاطها للجميع، إلا إذا كانت النخلة محاطة بسياج، ويُسمى جامعها “لكاط أطياح”.

توانين: هيئة أمنية شعبية يشكلها أصحاب الواحات لحراسة الثمار من “الخراطة” و”لكاطة أطياح”، خاصة وقت القيلولة “اسويلمه”، ومن بعد الغروب حتى طلوع الشمس، ومن يُضبط متلبسًا غالبًا ما يُلزم بدفع غرامة.

الكتلة: وجبة شعبية تُعد من البلح بعد نزع نواه، ويضاف إليه الفول السوداني “كرت”، ثم يُدق في المهراس حتى يمتزج، ويؤكل مع حساء “النشاء”. واختلف أهل الواحات حول أصل هذه الوجبة، هل هي وادانية أم شنقيطية.

آنجابير: النخيل الذي يُعرف بسرعة نضج ثماره.

العرش: العرجون.

التاجروريت: العذق.

الزية: الغطاء الذي يعلو فوهة التمرة.

آنجاية: مرحلة انتقال البلحة إلى التمرة من جهة اتصالها بالعذق.

آمزرقداية: مرحلة وسطى بين البلح والتمر.

الدوخلاية: صندوق صغير من سعف النخيل يُملأ بالبلح والتمر ويُهدى للضيوف.

القلادة: حبات تمر صفراء تُنظم في خيط وتُهدى للأطفال.

التهليل: شكل آخر من هدايا التمر للأطفال، يربط بخيط واحد حتى يأكلوه تدريجيًا.

اسكيط: تشذيب النخلة بإزالة الجريد اليابس.

الكرناف: بقايا قواعد الجريد على جذع النخلة، يستعين بها “الطلاع” أثناء التسلق.

التنقلاية: الفسيلة.

أبمبه: فسيلة متفرعة من جذع النخلة.

الحفرة: مجموعة نخل متفرعة من أم واحدة.

آكجول: النخلة في بداية شبابها.

اتجنكير: التأبير.

أمسين: النخلة التي تؤخذ منها طلع التلقيح.

أمندور: النخلة الشاهقة التي قد يعجز الطلاع عن تسلقها، ويضرب بها المثل الحساني: “ظل أمندور”.

أشيلال… آلة السقي القديمة

كان أشيلال وسيلة أهل الواحات القديمة لسقي نخيلهم، وهو آلة خشبية ذات ذراع طويلة ترتكز على قائمتين، يُربط في أحد طرفيها الدلو، وفي الآخر ثقل يساعد على رفع الماء بسهولة. وقد اندثرت هذه الوسيلة تقريبًا بعد انتشار المضخات الحديثة والطاقة الشمسية.

أما الحوض أو أزلموز، فهو مجرى صغير تتجمع فيه المياه وتنساب بين النخيل، فتضفي على الواحات جمالًا خاصًا.

الوالوالة

الوالوالة عادة شبابية قديمة كانت تقوم على الترويح والنقد والمحاكاة الساخرة، حيث يجوب الشباب طرقات الواحات ليلًا مقلدين أصوات الناس وأحاديثهم في قالب فكاهي. وقد اندثرت هذه العادة في الوقت الحاضر.

أشهر أصناف النخيل

من أشهر أصناف النخيل في آدرار:

الأحمر.

تجب.

تججبه.

أجب.

آمصخصي.

لخذيرة.

اسقنيه.

أبجيرة.

سلمدينه، وهي من أشهر نخيل شنقيط وأطيبها.

سكاني، وتشتهر بها وادان.

لمدينة، بنوعيها “لمينية” و”غيلانية”.

المهبولة، وهي نخلة اشتهرت بها تجكجة، واستلهم منها الفنان الراحل حمادي ولد النانه لحنه الشهير “المهبولة”.

 

وفي الختام، تبقى الكيطنة أكثر من موسم زراعي؛ إنها ذاكرة مجتمع، ومدرسة للقيم، واحتفاء بالنخلة التي ظلت عنوانًا للعطاء والصمود.

وخير ما نختم به هذه الجولة قول الشاعر الراحل محمد كابر هاشم:

عوّدوني أن لا أروم انحناءًوليكن الجدب – لو يشاء – طويلًا

ثم يمضي في رائعته “حديث النخل”، التي جعل فيها النخلة رمزًا للعزة والكرامة والثبات، وهي قصيدة خالدة في الوجدان الشنقيطي.

كيطنة ممتعة، وكل عام وأنتم بخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى