الأخبارمقالات و تحليلات

تفويض الأغلبية لرئيس حزب الإنصاف.. تحول الإجماع إلى رسالة سياسية / الولي سيدي هيبه

الولي سيدي هيبه / باحث إعلامي

في العمل السياسي، ليست كل القرارات متساوية في دلالاتها، فهناك قرارات تنتهي آثارها بانتهاء الاجتماع الذي أُقرت فيه، وأخرى تتجاوز بعدها الإجرائي لتصبح مؤشرات على توجهات المرحلة ورسائل موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء. ومن هذا القبيل، يندرج قرار أحزاب الأغلبية والأحزاب الداعمة لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني،، القاضي بتفويض رئيس حزب الإنصاف، السيد محمد ولد بلال مسعود، التوقيع على الوثيقة الأخيرة المقترحة للحوار الوطني، مع مواصلة العمل على إدخال الملاحظات الضرورية عليها.

ومن اللافت أن هذا القرار لم يصدر على عجل، وإنما جاء بعد نقاش مستفيض للوثيقة، بما يعكس حرص مكونات الأغلبية على دراسة مضامينها قبل اتخاذ موقف موحد منها، الامر في حد ذاته يعبر عن إدراك جماعي لأهمية الحوار باعتباره استحقاقا وطنيا يتطلب التعاطي معه بمسؤولية سياسية، بعيدا عن الانفعال أو الحسابات الضيقة.

وإن اختيار رئيس حزب الإنصاف السيد محمد بلال مسعود لقيادة هذه المرحلة من مسار الحوار لا يقرأ فقط باعتباره تفويضا تنظيميا، وإنما بوصفه تجديدا للثقة في الحزب الذي يقود الأغلبية، ويشكل الحاضنة السياسية لبرنامج فخامة رئيس الجمهورية. فالإنصاف، بحكم مكانته داخل المشهد السياسي، لم يعد مجرد حزب يمتلك الأغلبية البرلمانية أو قاعدة تنظيمية واسعة، بل أصبح الإطار الذي تتقاطع عنده مختلف مكونات الأغلبية في القضايا الوطنية الكبرى.

ويعكس هذا التفويض أيضًا مستوى من النضج السياسي داخل الأغلبية، إذ اختارت أن تتحدث بصوت واحد، وأن تدخل الحوار برؤية موحدة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الدفاع عن تصوراتها، ويعزز فرص نجاح الحوار في الوصول إلى مخرجات تحظى بأوسع توافق ممكن.

غير أن الرسالة الأهم في البيان تكمن في الجمع بين أمرين متكاملين هما التمسك بالحوار، والتمسك بحق إبداء الملاحظات. فالأغلبية لم تتعامل مع الوثيقة باعتبارها نصا مغلقا، كما لم تتخذ منها ذريعة للتراجع عن خيار الحوار، وإنما اختارت طريق المشاركة الإيجابية، القائمة على الإسهام في تطوير الوثيقة، بما يجعلها أكثر قدرة على استيعاب تطلعات مختلف الأطراف.

وهذا الموقف يعكس فهما عميقا لطبيعة الحوارات الوطنية الناجحة، فهي لا تقوم على الإملاءات، وإنما على التفاعل البناء، والتنازل المتبادل، والبحث عن أرضية مشتركة، وهو ما يمنح أي اتفاق لاحق مشروعية سياسية ومجتمعية أوسع.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا التفويض ينسجم بصورة كاملة مع النهج الذي أرساه فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني منذ توليه قيادة البلاد، والقائم على تغليب الحوار والتشاور في معالجة القضايا الوطنية. فقد شكل الانفتاح على مختلف القوى السياسية، والاستماع إلى وجهات النظر المتعددة، أحد أبرز ملامح الممارسة السياسية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل الحوار خيارا ثابتا لا يرتبط بظرف سياسي عابر، بل يمثل توجها استراتيجيا في إدارة الشأن العام.

ويمنح توقيت هذا القرار أهميته الإضافية حيث تواجه موريتانيا استحقاقات تتطلب أعلى درجات التوافق الوطني، سواء تعلق الأمر بتعزيز المسار الديمقراطي، أو مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الناجحة، أو ترسيخ دولة القانون والمؤسسات. وفي مثل هذه المراحل، يصبح الحوار ليس ترفا سياسيا، وإنما ضرورة وطنية تفرضها طبيعة التحديات.

كما أن تفويض رئيس حزب الإنصاف يحمل رسالة واضحة إلى مختلف الشركاء في العملية السياسية، مفادها أن الأغلبية تدخل الحوار بإرادة موحدة، وعزيمة صادقة، واستعداد للاستماع كما للاستدلال بالحجة، وأنها لا تنظر إلى الحوار باعتباره مناسبة لتحقيق مكاسب ظرفية، بل فرصة لتعزيز الاستقرار، وتوسيع دائرة التوافق، وبناء الثقة بين مختلف الفاعلين.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن البيان أكد استمرار السعي إلى إدخال الملاحظات الضرورية على الوثيقة، وهو ما يعكس حرص الأغلبية على أن يكون الحوار جامعا وشاملا، وأن تعبر وثيقته المرجعية عن أكبر قدر ممكن من التوافق، بما يضمن نجاحه واستدامة مخرجاته.

إن الحوار الحقيقي لا يقاس بعدد الجلسات التي تعقد، ولا بعدد الوثائق التي توقع، وإنما بمدى قدرته على إنتاج حلول قابلة للتطبيق، وتعزيز الثقة بين الشركاء، وإرساء قواعد جديدة للعمل السياسي تقوم على التنافس المسؤول لا على القطيعة، وعلى الاختلاف المشروع لا على الخصومة الدائمة.

وفي هذا السياق، يأتي تفويض رئيس حزب الإنصاف أكثر من مجرد خطوة تنظيمية؛ إنه إعلان سياسي بأن الأغلبية اختارت أن تدخل هذه المرحلة موحدة الصف، واضحة الرؤية، مؤمنة بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى تعزيز الاستقرار، وصيانة الوحدة الوطنية، ومواصلة مسيرة البناء والإصلاح.

وإذا كانت السياسة تقاس بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، فإن هذا التفويض يقدم نموذجا لعمل جماعي يوازن بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة الاختلاف، وبين الدفاع عن الرؤية السياسية والانفتاح على الشركاء. وهي معادلة تحتاجها موريتانيا اليوم أكثر من أي وقت مضى، حتى يظل الحوار عنوانا للمرحلة، والتوافق قاعدة للعمل الوطني، والمصلحة العليا للوطن هي البوصلة التي تهتدي بها جميع القوى السياسية.

 

المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى