الأخبارتكنولوجيافضاء الرأي
المهندس أحمد ولد اعمر يكتب : الذكاء الاصطناعي ليس هدية !
لم يعد السؤال الحقيقي اليوم هو: إلى أي مدى سيتطور الذكاء الاصطناعي؟بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: إلى أي مدى سيظل الإنسان يمارس التفكير بنفسه؟ فالخطر الأكبر لا يتمثل في أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً،
وإنما في أن يعتاد الإنسان التنازل تدريجياً عن أهم ما يميزه: القدرة على التفكير، والتحليل، والإبداع، وبناء المعرفة من داخله.
لقد بُنيت الحضارة الإنسانية عبر آلاف السنين على تراكم التجربة، فكل قاعدة علمية وكل اختراع كان ثمرة عقول اجتهدت وأخطأت ثم صححت حتى وصلت إلى المعرفة.
أما اليوم، فقد أصبح الوصول إلى الإجابات أسرع من بناء القدرة على إنتاجها. وهنا تكمن المفارقة:
كلما ازدادت سهولة الحصول على المعرفة،

تراجع الجهد المبذول في تكوينها، وقد تنتقل البشرية تدريجياً من مجتمع يصنع المعرفة إلى مجتمع يستهلكها فقط.
ولا يقف الأمر عند حدود التفكير، بل يمتد إلى البنية الإنتاجية للإنسان نفسه.
فمنذ الثورة الصناعية حلت الآلة محل العضلات،
ثم شاركت الرقمنة الإنسان بعض وظائفه الذهنية،
أما الذكاء الاصطناعي فيسير اليوم نحو منافسته في التحليل والكتابة والتصميم والبرمجة واتخاذ القرار.
وهنا يبرز سؤال وجودي:
إذا فقد الإنسان قيمة عمله البدني ثم بدأ يفقد قيمة عمله العقلي، فما الذي سيبقى له من دوره الحضاري؟
إن الإنسان ليس مجرد مستهلك للنتائج، بل كائن تتشكل شخصيته من خلال عملية التفكير ذاتها.
فالعقل لا ينمو بامتلاك الإجابة، وإنما بالبحث عنها، والمهارة لا تتكون بمشاهدة الحل، وإنما بمحاولة إنتاجه.
ولذلك فإن الاعتماد الكامل على الحلول الجاهزة قد يحقق مكاسب آنية في السرعة، لكنه قد يؤدي على المدى البعيد إلى ضمور القدرات العقلية، تماماً كما تضمر العضلات التي لا تُستعمل.
ويزداد الأمر تعقيداً حين تصبح المعرفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي محصلة تقاطع مليارات البيانات المخزنة عالمياً، وهي بيانات لا تستطيع دائماً أن تعكس خصوصيات كل مجتمع، أو تستوعب قيمه ومرجعياته الثقافية.
فالذكاء الاصطناعي يُولد متوسطاً إحصائياً للمعرفة،
بينما كثير من الحقائق الإنسانية تولد من خصوصية المكان والزمان والثقافة.
ولذلك فإن التحدي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في الطريقة التي نستخدمه بها.
فإذا تحول إلى أداة توسع قدرات الإنسان، فهو أعظم إنجاز تقني في العصر الحديث.
أما إذا أصبح بديلاً عن التفكير، فقد تدخل البشرية مرحلة جديدة من “الاعتماد العقلي”، حيث يمتلك الإنسان أدوات هائلة لكنه يفقد تدريجياً القدرة على استخدامها باستقلالية.
وعندها يصبح مراقباً للتكنولوجيا أكثر منه صانعاً لها.
قد يقال إن هذا السيناريو بعيد. لكن السؤال ليس عن توقف التقنية، بل عن جاهزية الإنسان إذا تعطلت أو أخطأت أو أصبحت غير متاحة؛ فالمجتمع الذي يفقد مهاراته الأساسية في التفكير والإنتاج يصبح أكثر هشاشة،
لأنه يعتمد على أدوات لم يعد قادراً على تعويضها بنفسه.
إن مستقبل البشرية لن تحدده قوة الذكاء الاصطناعي وحدها، بل قدرتها على الحفاظ على التوازن بين الاستفادة من التقنية وصيانة العقل الإنساني.
فالآلة ينبغي أن تختصر الوقت لا أن تلغي التفكير، وأن تزيد إنتاج الإنسان لا أن تستبدله، وأن توسع آفاق العقل لا أن تحل محله.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل المفكرين وصناع القرار اليوم ليس: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً؟ بل: كيف نضمن أن يبقى الإنسان أكثر ممارسةً لذكائه؟ فالحضارات لا تنهار عندما تصبح أدواتها قوية،
وإنما عندما تتخلى عقولها عن ممارسة وظيفتها الأساسية: وهي التفكير.!
مع تحيات المهندس / احمد ولد اعمر




