في هذا الصباح الثقيل على القلب، رحل عنا محمد الأمين ولد أحمد، بعد أن ترك وراءه سيرة لا تختصرها الأعمار، ولا تختزلها الكلمات. فقد كان من أولئك الذين لا يصنعون حضورهم بالضجيج، وإنما بما يتركونه في النفوس من أثر طيب.
عرفه من عاشره بالتدين الصادق، لا تدين المظاهر، بل تدين الرحمة والخدمة والبذل. كان قريبًا من الضعفاء، منحازًا إلى أصحاب الحاجات، يرى أن نعمة الله على الإنسان لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى نفع لعباده. فليس الكريم من يملك فقط، وإنما من يعطي، وليس الصالح من يعبد الله في خلوته فقط، وإنما من يحمل همّ الناس في طريقه إلى الله.
وكان من أجمل ما في سيرته ملازمته لعمه العلامة الجليل أباه ولد عبد الله ادام الله ظله ؛ صحبه في حجه وأسفاره ومجالسه الدعوية، فكان قريبًا من مجالس العلم، يرى العلماء في أخلاقهم قبل أقوالهم، ويتعلم من صحبتهم أن الدعوة ليست خطابًا يقال، بل حياة تُعاش. وكان، بحكم تلك الصحبة، جسرًا بين العالم والناس، يحمل الكلمة الطيبة، ويقرب القلوب، ويربط بين من يحتاج ومن يستطيع أن يعين.
ولعل أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه من متاع الدنيا، وإنما ما زرعه في قلوب الآخرين من محبة، وما تركه من دعوات صادقة تصعد إليه بعد أن انقطع عمله إلا من آثار الخير. رجل تضيق الصفحات عن حصر مناقبه ،
ومن هنا كان الفقد موجعًا؛ لأننا لا نبكي جسدًا غاب فقط، بل نفتقد معنى كان حاضرًا بيننا. نفتقد وجهًا ألفناه، وصوتًا اعتدناه، وأثرًا ظننا أنه سيبقى معنا طويلًا، فإذا بالأقدار تعلمنا أن كل ما في هذه الدنيا ودائع، وأن الله يسترد ودائعه في الوقت الذي يشاء.
ما أشد عجز اللغة حين تقف على أعتاب الموت؛ فالكلمات التي طالما وسعت أفراحنا وأحزاننا تضيق فجأة، وكأنها تعترف أن في الوجود سرًا لا تبلغه العبارة، وأن في القدر حكمة لا تدركها العقول إلا بقدر ما يفتح الله عليها من نور.
ترجل محمد الأمين، ولم يترك وراءه جسدًا واريناه الثرى فحسب، بل ترك فراغًا لا يملؤه أحد؛ لأن الله لا يخلق روحين متطابقتين، ولكل إنسان بصمته التي لا تتكرر. فإذا غابت روح بقي مكانها شاهدًا عليها، وبقيت الذكريات تمشي بين الناس تحمل اسم صاحبها.
وهذا هو سر الخنساء حين رثت أخاها صخرًا؛ فلم يكن رثاؤها بكاءً على رجل غاب فحسب، بل كان تصويرًا لعظمة الأثر الذي يبقى بعد الرحيل، فقالت:
وإن صخرًا لتأتمُّ الهداةُ به
كأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ
وقالت:
يذكِّرني طلوعُ الشمس صخرًا
وأذكره لكل غروب شمس
فالغائب عند المحبين لا يغيب تمامًا؛ يعود في تفاصيل الأيام، في طلوع الشمس وغروبها، في الأماكن التي شهدت وجوده، وفي الدعوات التي تخرج له من قلوب من عرفوه.
لكن المؤمن يقف أمام الموت وقفة أخرى. فهو يحزن، لكنه لا يعترض، ويبكي، لكنه لا ييأس؛ لأن الإيمان لا يلغي طبيعة الإنسان، وإنما يهذبها ويرفعها.
فالموت في ميزان الوحي ليس فناءً، وإنما انتقال. انتقال من دار تحكمها الأجساد، بما فيها من ضعف ومرض وتعب، إلى دار أخرى يكون فيها الحساب على الأرواح والأعمال. وما القبر إلا باب بين عالمين، لا نهاية الحكاية.
وهنا يأتي البعد الذي عرفه أهل التصوف الصادق؛ فلم يروا الموت هروبًا من الحياة، ولا طلبًا للفناء، فالحياة نعمة وميدان عمل، وإنما رأوه موعد انتقال العبد من مقام التكليف إلى مقام الجزاء. كانوا يقولون إن الإنسان مسافر إلى الله منذ لحظة ميلاده، وإن الأيام مراحل في طريق العودة.
فالموت عند العارفين ليس محبوبًا لذاته، ولكنه محبوب من جهة ما بعده لمن أحسن الاستعداد له؛ لأنه لقاء بمن إليه المصير. وقد عبروا عن ذلك بأن القلب إذا امتلأ بمعرفة الله ضاقت عليه الدنيا لا كرهًا لنعمها، ولكن شوقًا إلى ما هو أبقى.
وهذا هو معنى التزكية التي دارت عليها كلمات أهل السلوك: أن يتحرر الإنسان من عبودية الأشياء ليكون عبدًا لله وحده، وأن يصبح ما يتركه وراءه من خير أبقى من كل أثر مادي.
ويبقى القدر أعظم أسرار الوجود. يسأل القلب: لماذا الآن؟ ولماذا هو؟ ولماذا بهذه الصورة؟ ثم يقف عند باب الحكمة الإلهية. فالعقل يبحث، لكنه لا يحيط، والقلب يتألم، لكنه يطمئن بقوله تعالى:
﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون﴾
فكم من أمر أبكانا في بدايته ثم كشف الله لنا من رحمته ما لم نكن نراه، وكم من باب أغلقه الله وكان وراءه لطف خفي.
وقد وقف الإنسان منذ القدم أمام الموت حائرًا؛ تأمله الفلاسفة، ووصفه الأدباء، وبحث الحكماء عن سره. ورأى سقراط أن الموت إما راحة من الألم أو انتقال إلى عالم آخر. أما الإيمان فقد جاء باليقين الذي تتطلع إليه الفطرة: أن الإنسان أكبر من جسده، وأن الحياة لا تنتهي عند حدود التراب.
وهنا يلتقي العقل مع الروح؛ فالفلسفة تسأل عن معنى الموت، والوحي يكشف غايته، والتصوف يعلم القلب كيف يستعد للقاء الله.
ولعل في أن يكون رحيل محمد الأمين يوم الجمعة مواساة أخرى للقلوب؛ فهذا يوم عظيم عند المسلمين، وقد جاءت فيه أحاديث تبعث الرجاء لمن ختم الله له أجله فيه. ونحن لا نشهد لأحد عند الله، فذلك من علم الغيب، ولكننا نحسن الظن برب كريم وسعت رحمته كل شيء.
أيها الراحل العزيز…
غبت عن أعيننا، لكنك لم تغب عن دعائنا. انقطع صوتك عن مجالسنا، لكن بقي أثرك في قلوب من عرفوك. وانتقلت من صحبة أهلك ومحبيك إلى رحمة أوسع من رحمتهم جميعًا.
نسأل الله أن يجعل ما قدمت من خير شفيعًا لك، وأن يجعل مجالسك مع أهل العلم والدعوة نورًا في قبرك، وأن يرفع درجتك مع الصالحين، وأن يبدلك دارًا خيرًا من دارك، وأهلًا خيرًا من أهلك.
اللهم إن محمد الأمين ولد أحمد عبدك وابن عبدك، جاءك فقيرًا إلى رحمتك، غنيًا برجائك، فلا تحرمه عفوك، ولا تمنعه فضلك، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعنا به في دار السلام، حيث لا فراق ولا ألم، وحيث يقال لأهلها:
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾
نقلا عن صفحة الأستاذ السالك ولد أباه




