الأخبارالصدى الثقافيمنوعات

من ذاكرة الناصريين في موريتانيا.. رسالة سرية إلى الراحل محمد كابر هاشم من خلف قضبان سجن الهندسة العسكرية

رفض الناصريون في «المنكب القصي» دعوة العقيد معمر القذافي رحمه ، عام 1983، للانخراط في حركة اللجان الثورية الليبية، فاختار القذافي رحمه الله التخلي عنهم والتحالف مع الرئيس محمد خونا ولد هيدالة.

وفي المقابل، واصل الناصريون نشاطهم السياسي، وتمكنوا من لعب دور بارز في قيادة المعارضة، والسيطرة على النقابة العمالية، فضلاً عن نفوذهم الواسع داخل اتحاد الطلبة الموريتانيين، الأمر الذي جعلهم يشكلون تحدياً حقيقياً للنظام العسكري الحاكم آنذاك.

وبلغت المواجهة بين الطرفين ذروتها مع اندلاع انتفاضة ربيع عام 1984، التي تطورت إلى عصيان مدني كاد يشل الحركة في البلاد،

وانتشرت المناشير والكتابات على الجدران، فيما عمت الإضرابات مناطق مختلفة من موريتانيا.

وعلى إثر تلك الأحداث، اعتُقلت قيادات ناصرية، وزُج بمئات المعتقلين من الأطر والعمال والطلاب والتلاميذ في السجون والمعتقلات، حيث واجهوا، بحسب شهادات وروايات متداولة، ظروفاً قاسية ومختلف أشكال التعذيب والإيذاء النفسي والبدني.
وأسفرت تلك الأحداث عن وفاة اثنين من مناضلي الحركة الناصرية، هما المهندس سيدي محمد ولد لبات، الذي توفي تحت التعذيب في معتقله بنواكشوط يوم 13 أبريل 1984، والطالب أحمد ولد أحمد محمود، الذي توفي في مدينة أطار يوم 3 مايو من العام نفسه.
وأودع عدد من الناصريين في سجن بقاعدة الهندسة العسكرية (Génie Militaire) في نواكشوط، في ظروف صعبة، وكان من بين المعتقلين الإعلامي والأديب والشاعر الكبير محمد كابر هاشم. رحمه الله

ويروي  الراحل محمد كابر هاشم، في إحدى ذكرياته عن تلك الفترة، أن من بين القائمين على السجن ضابط صف من مدينة لعيون يدعى أمين ولد اصنيبه.
ويقول كابر هاشم:
«ذات صباح سمعت أمين ولد اصنيبه يقول إنه نازل إلى المدينة، فسألته: هل تعرف منزل رجل يسمى محمد ولد بوبَ جدّو؟
فأجابني: ذاك امّالو واحد من أهلي، أعرفه جيداً، وأعرف منزله الكائن في مدينة (R).
فقلت له: إن لي إليك حاجة، وهي أن تُقرئ محمد ولد بوبَ جدّو سلامي، وتخبره أنني أطلب منه أن يأخذ شريطاً جيداً، وأن يعد لي هولاً، وألا ينسى (التبيبيات)، وعندما يصل إلى (رتفد محصر) يخبطه ثلاث مرات، ولا ينسى أن يقول: (اسلامتنا واسعايتنا)».
وعندما وصل أمين ولد اصنيبه إلى محمد ولد بوبَ جدّو، وأقرأه سلام كابر هاشم، تهللت أساريره واستبشر، وقال:
«الله ابشرنَ وابشرك بالخير، هو حي؟!»
فقد كان شائعاً في تلك الفترة أن الشرطة «أثخنت» الناصريين، وأن كثيراً من قياداتهم قضوا في السجون جراء التعذيب، في ظل دولة بوليسية كانت الأخبار فيها شحيحة، والخوف حاضراً في حياة الناس، حتى إن الإنسان، كما يقال، كان يخشى من ظله.
قال أمين: «نعم، إنه بخير، ويطلب منك كذا وكذا».
فأجاب محمد ولد بوبَ جدّو: «سأضع (بلغامة) حالاً تحت الشمس، ثم أردف: متى سترجع إلى القاعدة؟»
قال أمين: «عند الثامنة مساءً».
فقال محمد: «قبل الثامنة سيكون الشريط جاهزاً، ويحوي كل ما طلبه محمد كابر».
كانت تلك، كما يروي كابر هاشم، لفتة كريمة ونبيلة وشجاعة من محمد ولد بوبَ جدّو، رحمه الله، ومواساة لصديق عزيز يقبع خلف القضبان، ومحاولة لرفع معنوياته في زمن عصيب، كانت فيه أجواء الخوف والجوسسة والوشاية تخيم على المجتمع.
ولم يكن اختيار «التبيبيات» و«رتفد محصر» في تلك الرسالة مجرد كلمات عابرة، بل كان جزءاً من شفرة ثقافية يفهمها أهل الأدب الحساني، وتحمل في طياتها معاني لا يدركها إلا من يعرف رموز الشعر الحساني وإشاراته.
ومن «التبيبيات» التي أوردها كابر هاشم:
«هٙـاذٙ كامِلْ عنّي الغُوهْ
منْ خٙـاطِ يٙـگُومانِي
اتْبٙيْبِي وِلْ اسويدْ بُوهْ
وِتْبٙـيْبي خُوهْ الثّٙانِي»
ويشير في شرحه إلى أن «التبيبيات» منها «افتنجوگة» ومنها «فمقجوگة»، وأن «اتبيبي تنجوگة» فاغو الكحلة، وشاهدها:
«صيدْ الرّيمْ البِيه النيّه
امنّينَ امشَ يا شفيعُ
عنها يمولْ الكتبيّه
مضيّاً ولا يرجعُ»
أما «اتبيبي مقجوگة» فهي للبياظ، ولا تُرى.
ويورد كذلك ما يتصل بعبارة «رتفد محصر»، التي يقول فيها السالك ولد الحاج (الغلاوي) مخاطباً أحمد ولد بوبَ جدّو:
«واخبط رِتْفَدْ – رانِ عانِ
يَاحْمدْ – مَحْصَرْ، والبرَّانِ
واخبطْ لِلْـواگِ ورَانِ
نعرفْ عن ذَ لكحال اگبالْ»
ويُعرف «رتفد محصر» ببنسلم ونسعاو ودگفري، وهي من أشوار «بيگي عظال ابتيت الكحلة».
أما «البراني»، فشاهده:
«عينيَّ يَ گلبِي
فوگ التخمام اركبتْ
شور الْمنّو طربِي
وامنينْ ابْطِ جَلّبتْ
واركبتْ اعلَ گلبِي
عينيَّ يَ گلبِي».
أما «الواگي»، فإنه «ما يشوهد»، على عكس «البراني»، وليس بينهما سوى «سحو».
وهكذا تختزن هذه الحكاية جانباً من الذاكرة السياسية والاجتماعية لموريتانيا في ثمانينيات القرن الماضي، كما تكشف عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة الحسانية والشعر والإشارات الرمزية في التواصل الإنساني، حتى في أحلك الظروف وأشدها قسوة.
إنها قصة رسالة لم تكن مجرد رسالة، بل كانت بارقة أمل تصل إلى سجين معزول عن العالم، لتقول له، بلغة يفهمها وحده: ما زال هناك من يذكرك، وما زال هناك من يسأل عنك، وما زال الأمل حاضراً رغم قسوة السجن والزمن.

المصدر :بتصرف سيد محمدxوy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى