أخبار موريتانياإفريقي ومغاربيالأخبار

الشيخ محمد المكي إبراهيم نياس.. رحيل هادئ لابن مدرسة العلم والتزكية

كولخ تودّع واحداً من أبناء البيت الإبراهيمي.. سيرةٌ في ظلال العلم والتصوف والأخلاق

الشيخ محمد المكي إبراهيم نياس

الصدى : كتب محمد عبد الرحمن /

في كولخ، حيث تتجاور ذاكرة العلم مع أنفاس التصوف، وحيث ظل اسم الشيخ إبراهيم نياس حاضراً في وجدان أجيال من أبناء غرب إفريقيا ومريدي الطريقة التجانية في العالم العربي والاسلامي ، نزل خبر وفاة نجله الشيخ محمد المكي إبراهيم نياس ثقيلاً على القلوب.

 

فقد غادر الشيخ محمد المكي الدنيا مساء الاثنين 31 أغسطس 2026 في المملكة المغربية، حيث كان يتلقى العلاج منذ فترة، تاركاً وراءه سيرة رجلٍ اختار، كما يبدو من مساره وشهادات من عرفوه، أن يمضي بعيداً عن صخب الأضواء، قريباً من العلم وأهله، ومن التربية الروحية التي نشأ في رحابها.

 

لم يكن محمد المكي مجرد نجلٍ لشيخ ذائع الصيت، بل كان واحداً من أبناء مدرسة علمية وروحية عريقة، تشكلت في بيتٍ كان العلم فيه منهج حياة، والتربية سلوكاً يومياً، والتواضع عنواناً للانتساب إلى أهل المعرفة.

 

في كنف والده شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم نياس

 

كان والده، شيخ الإسلام إبراهيم نياس، واحداً من أبرز علماء ومشايخ الطريقة التجانية في القرن العشرين، وقد جمع بين التبحر في العلوم الشرعية واللغوية، والتربية الصوفية، والانفتاح على قضايا العالم الإسلامي والإفريقي. وقد امتد تأثيره إلى مناطق واسعة من غرب إفريقيا وخارجها، كما ارتبط اسمه بالمؤسسات العلمية والإسلامية الدولية.

 

وفي مثل هذا البيت، لم يكن العلم ترفاً معرفياً، ولا التصوف مظهراً اجتماعياً، بل كانا تربيةً وممارسةً وانضباطاً أخلاقياً. ومن هذه البيئة الروحية والعلمية تشكلت شخصية محمد المكي، الذي حمل من والده، في حدود ما تنقله شهادات معاصريه، محبة العلم وأهله، والهدوء، والاتزان، وحسن التعامل.

 

وقد وصفه أحد الذين زاملوه في الدراسة بأنه كان طوال حياته هادئاً متزناً، محباً للخير، حريصاً على العمل لكل ما يخدم العلم وأهله؛ وهي شهادة تختصر جانباً مهماً من شخصيته، وتكشف أن إرثه لم يكن في الاسم والنسب وحدهما، وإنما في السلوك الذي يليق ببيتٍ عُرف بالعلم والتربية.

 

 سيرة في طريق التزكية

 

نشأ الشيخ محمد المكي في فضاء الفيضة التجانية، حيث كان التصوف عند والده مرتبطاً بالعلم والتربية وخدمة الناس، لا بالانعزال عن المجتمع. وقد ورث الشيخ إبراهيم نياس عن أسرته العلمية والتجانية تقليداً راسخاً في حفظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية، ثم أسس من خلال مساره مدرسة واسعة التأثير في التربية الروحية والتعليم الإسلامي.

 

وفي هذا المناخ تربى محمد المكي، وسار في الطريق الذي رسمه والده: علمٌ يقود إلى العمل، وتصوفٌ يتأسس على الأخلاق، وانتسابٌ روحي لا يستقيم دون خدمة الناس واحترام أهل العلم.

 

ولعل أبلغ ما بقي من سيرته أن حضوره لم يكن قائماً على طلب الشهرة أو الاستعراض، وإنما على الهدوء والوقار. وهي خصال تزداد قيمة في زمن أصبحت فيه المكانة الدينية كثيراً ما تقاس بحجم الظهور، بينما كان بعض أبناء المدارس العريقة يرون أن العلم الحقيقي يورث صاحبه تواضعاً أكثر مما يورثه حضوراً في المشهد العام.

 

الشيخ محمد المكي .. ابن أبيه.. 

 

رحل الشيخ محمد المكي نياس، لكنه لم يكن مطالباً بأن يكون نسخة أخرى من والده. فالآباء الكبار يتركون لأبنائهم إرثاً ثقيلاً من المسؤولية، غير أن قيمة الابن تكمن في قدرته على حمل ذلك الإرث بأمانة، وبشخصيته الخاصة.

 

والشيخ إبراهيم نياس ترك وراءه مدرسة واسعة الانتشار، ومؤلفات عديدة، وأجيالاً من المريدين والطلاب، حتى أصبح أحد أبرز أعلام التصوف الإسلامي في إفريقيا والعالم. وقد وصفته مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بأنه من أشهر قادة التصوف في عصره، وأن تأثيره امتد إلى مناطق متعددة من العالم.

 

أما محمد المكي، فاختار لنفسه مساراً أكثر هدوءاً، وظل قريباً من فضاء الأسرة والزاوية والعلم والتربية، محتفظاً بذلك الوقار الذي يميز أبناء المدارس الروحية العريقة.

 

رسالة الأب من القاهرة.. وصية العلم والسلوك

 

ولعل من أكثر الصفحات دلالة في علاقة الشيخ إبراهيم نياس بأبنائه، تلك الرسالة التي بعث بها إليهم من القاهرة، حاملاً إليهم خلاصة تجربته في الحياة والعلم والتربية، ومذكّراً إياهم بأن الانتساب إلى بيت العلم والصلاح ليس امتيازاً اجتماعياً، وإنما أمانة ومسؤولية. ففي رسالته، كان الأب العالم يخاطب أبناءه بروح المربي، داعياً إياهم إلى التمسك بالعلم، والتحلي بمكارم الأخلاق، وحسن السيرة، والابتعاد عن مواطن الشبهة والخصومة، وجعل خدمة الدين والناس غايةً تتقدم على حظوظ النفس.

 

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة عند استحضار سيرة الشيخ محمد المكي، إذ تبدو حياته امتداداً عملياً لذلك المعنى الأبوي؛ فقد اختار، كما عرفه معاصروه، طريق الهدوء والوقار، والاشتغال بما يقربه من العلم وأهله، بعيداً عن التكلف والاستعراض. وكأن الرسالة التي خرجت من القاهرة لم تكن مجرد كلمات أب لأبنائه، وإنما كانت وصية مدرسة كاملة: أن يكون أبناء العلماء أمناء على أخلاق آبائهم قبل أن يكونوا ورثة لأسمائهم، وأن يكون التصوف سلوكاً يزكي النفس ويهذبها، لا مجرد انتساب أو مظهر.

 

ومن هنا، فإن رحيل محمد المكي نياس يستعيد إلى الذاكرة تلك الوصية الإبراهيمية في معناها الأعمق؛ فالإرث الحقيقي الذي يتركه العلماء لأبنائهم ليس المال ولا الجاه، وإنما العلم والأدب والتواضع وحسن الخلق. وهي معانٍ ظل الفقيد محمد المكي  متصفا بها في مساره، حتى غدا رحيله مناسبة لاستحضار سيرة أبٍ كبير، وابنٍ اختار أن يحمل شيئاً من نوره في صمت.

رحيل رجلٍ من زمن الوقار

 

إن فقدان الشيخ محمد المكي إبراهيم نياس لا يمثل خسارة لأسرته ومريديه فحسب، بل يفتح كذلك باب التأمل في قيمة جيل من الشخصيات الدينية التي جعلت من الأخلاق والسكينة وحسن الصحبة جزءاً من رسالتها.

 

 

لقد شهدت كولخ خلال العقود الماضية رحيل عدد من أعلام المدرسة الإبراهيمية، غير أن رحيل كل واحد منهم يعيد إلى الذاكرة حقيقة واحدة ثابتة وهي  أن المدارس الكبرى لا تبقى بأسمائها وحدها، وإنما بما تتركه من رجال يجسدون قيمها في حياتهم اليومية.

 

وهكذا يغادر محمد المكي نياس كما عاش في هدوء، تاركاً وراءه ذكريات رفاق الدراسة، ومحبة أهل العلم، وصلات المريدين، وإرث بيتٍ جعل من القرآن والعلم والتزكية عنواناً لمسيرته.

 

رحم الله الشيخ محمد المكي إبراهيم نياس رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه ومريديه ومحبي الحضرة الإبراهيمية جميل الصبر وحسن العزاء.

 

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى