أخبار موريتانياالأخبارالاقتصاد والتنميةتحقيقات

التطبيقات البنكية في موريتانيا.. عندما يتحول الهاتف إلى «صندوق نقود» لا يعمل.. أزمة “بنكيلي” نموذجا !!

هل المشكلة في التكنولوجيا أم في اختبارها قبل إطلاقها؟

 الصـــــــدى (تحقيق : خاص)

لم يعد الهاتف المحمول في موريتانيا مجرد وسيلة للاتصال، بالنسبة لآلاف المواطنين والمقيمين، بل أصبح محفظة مالية متنقلة  منها يتم  تحويل الأموال، ودفع الفواتير، وتسديد المشتريات، بما فيها مستحقات محطات الوقود، كما تُنجز من خلالها يوميا الكثير من المعاملات التجارية التي تتم عادة خلال  ثوانٍ معدودة.

 

 السؤال الإفتراضي أصبح واقعيا 

 

لكن ماذا يحدث عندما تتعطل هذه «المحفظة» في اللحظة التي يحتاج فيها صاحبها إلى أمواله؟

السؤال لم يعد افتراضياً لأنه يكاد يوجد مستخدم لهذه التطبيقات إلا وقد شهد حالة وحالات من هذه النوع ، أي تتعطل خدمة المحفظة في لحظة حرجة يحتاج فيها لدفع مستحق ما ، لكن ما شهده  تطبيق «بنكيلي»، التابع للبنك الشعبي الموريتاني،مؤخرا جعل جميع زبناء هذا التطبيق يعيشون لحظات محرجة ومزعجة حيث شهد “التطبيق” اضطراباً واسعاً عقب إطلاق تحديث جديد يوم الاحد الماضي ( 6 سبتمبر)، قبل أن يعلن البنك سحب النسخة الجديدة والإبقاء على النسخة السابقة، بعد رصد فرقَه الفنية الحاجة إلى استكمال تعديلات على التحديث.

 

الأمر الذي أدى إلى إرباك المستخدمين وتوقف عمليات الدفع لدى بعض نقاط التحويل، قبل التراجع عن التحديث.

 

المسألة هنا تتجاوز تطبيقاً تعطل لساعات. إنها تطرح سؤالاً أكبر: هل تتعامل المؤسسات المالية الموريتانية مع التطبيقات المصرفية باعتبارها منتجات تقنية قابلة للتجربة، أم باعتبارها بنية مالية حساسة لا يجوز اختبارها على جمهور واسع قبل التأكد من جاهزيتها؟

 

هل تم اختبار التحديث قبل إطلاقه ؟

 

حسب خبراء استوضحت منهم “الصدى” بهذا الخصوص ، يعتبر من  أكبر الأخطاء الخطيرة في صناعة البرمجيات المالية، أن يتم الانتقال من نسخة إلى أخرى قفزة واحدة إلى ملايين المستخدمين. ومن أبسط ممارسات إدارة المخاطر الرقمية إطلاق التحديث تدريجياً، ومراقبة الأداء، واستخدام مجموعات اختبار محدودة، ثم توسيع النطاق إذا ثبتت سلامة النسخة.

 

ومن هنا يبدو سؤال “الصدى” مشروعاً وهو  لماذا لا يختبر النبك الشعبي التحديثات الجديدة لتطبيق “بنكيلي” أولاً على مجموعة محدودة من المستخدمين، بما في ذلك موظفو البنك وفرق الدعم وبعض العملاء المتطوعين، قبل تعميمها؟

 

لا يعني ذلك أن ما حدث في «بنكيلي» يثبت غياب الاختبارات الفنية؛ فلم تصدر عن البنك أي بيانات أو تصريحات رسمية تثبت أن مهندسيه قاموا باختبار  التحديث قبل إطلاقه. لكن ما حصل من اضطراب في الخدمة و تعطيل لمصالح الزبناء  يفتح باباً مشروعاً للمساءلة حول إجراءات الاختبار، وخطط الطوارئ، وآليات العودة السريعة إلى النسخة السابقة..

 

واللافت أن البنك نفسه اضطر، بعد ساعات قليلة، إلى التراجع عن النسخة الجديدة، وهو ما يؤكد أن التحديث لم يكن مستقراً بالقدر المطلوب عند تعميمه، بصرف النظر عن أسباب الخلل..

   

«الإنترنت».. التفسير الأسهل؟

 

في كثير من الحالات التي لا يتمكن الزبون من الولوج للخدمة ، يكون التبرير غالباً  هو : “المشكلة من الإنترنت” ، وحتى داخل البنوك خلال السحب من حسابك المصرفي للتطبيق الهاتفي ، عليك أحيانا الانتظار بعد الوقت حتى يعود “رزو” أي الشبكة وهي العبارة التي يحفظها كل مرتادي هذه الخدمات البنكية 

صحيح أن التطبيقات المالية تعتمد على الاتصالات وشبكات البيانات، وأن ضعف الإنترنت يمكن أن يؤثر على تجربة المستخدم. لكن تحميل كل عطل للإنترنت يخلط بين مشكلتين مختلفتين: جودة الاتصال من جهة، واستقرار المنظومة المصرفية نفسها من جهة أخرى ، فهل خدمة الانترنت في البلاد رديئة بهذه الدرجة التي تجعل التطبيقات البنكية تحملها مسؤولية تعثرها ، لأنه العذر الذي يتفهمه كل الزبناء مباشرة ، حتى ولو كان غير صحيح ، هل أصبح مستخدم الانترنت فاقدا للثقة في شبكات الانترنت لهذه الدرجة ؟ أنه أمر يتطلب منا القيام بتحقيق خاص حول خدمات الانترنت في البلاد ، لكن قبل ذلك على الجهات المعنية أن تفهم أن  تكرار تعطل خدمات التطبيقات المصرفية يستدعي ويفرض تشخيصاً فنياً مستقلاً يبحث عن ردود مقنعة على الأسئلة التالية  :

هل الخلل في التطبيق؟ أم في الخوادم؟ أم  في قواعد البيانات ؟ أم  يعود الأمر لآلية الربط بين التطبيق والنظام المصرفي ؟ أم شبكة الدفع ؟ أم شركات الاتصالات ؟ أم يعود الأمر لكل هذه العوامل مجتمعة.

 

هل أموال الزبناء محمية؟

 

في وضع كهذا  يصبح  السؤال الأكثر حساسية ليس هل التطبيق يتعطل؟»، وإنما ماذا يحدث للأموال عندما يتعطل التطبيق ؟  

 

فقد يكون التطبيق محمياً من الاختراق، ومع ذلك يفشل في تقديم الخدمة. وقد تكون الأموال محاسبية وسليمة في النظام المصرفي، لكن صاحبها عاجز عن استخدامها في اللحظة التي يحتاج إليها.

 

وهذا هو جوهر المشكلة الحقيقية،  فالزبون لا يحتاج فقط إلى تطبيق آمن، بل إلى تطبيق متاح ومستقر وقادر على تنفيذ العملية عندما يطلبها.

 

أي دور للبنك المركزي الموريتاني ؟

 

هنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً من اتهام البنوك بأنها “بلا رقيب”، فالبنك المركزي الموريتاني يملك بالفعل إطاراً تنظيمياً لأنظمة الدفع ومؤسسات الدفع، وتؤكد نصوصه القانونية أن ممارسة نشاط مؤسسة دفع، باستثناء البنوك المرخصة، تتطلب اعتماداً مسبقاً من البنك المركزي. كما تلزم النصوص مؤسسات الدفع بإدارة المخاطر وضمان السيولة والملاءة ومراقبة المخاطر والإبلاغ عنها.

 

و يؤكد البنك المركزي أن مجلس أنظمة الدفع والمقاصة وتسوية الأوراق المالية يتابع تطور البنى التحتية للدفع، وأن الإصلاحات الجارية تستهدف تعزيز الحوكمة والرقابة والأمن والقدرة على الصمود.

 

بل إن الاستراتيجية الوطنية للدفع الرقمي تجعل تعزيز أمن المعاملات وحوكمة النظام المالي الرقمي من أهدافها الأساسية.

 

لكن السؤال الذي يستحق إجابة واضحة هو  كيف تتحول هذه الرقابة من إطار تنظيمي إلى رقابة فعلية على جودة الخدمة ؟ ومن هذا السؤال تتولد الأسئلة التالية :

 

  • هل يجري قياس لنسبة الأعطال في التطبيقات البنكية الموريتانية ؟

 

  • هل توجد مؤشرات إلزامية لزمن استعادة الخدمة؟

 

  • هل  البنوك ملزمة قانونيا من طرف البنك المركزي بإجراء اختبارات تجريبية قبل إطلاق تحديثات جوهرية؟

 

  • هل يحق للبنك المركزي في حالة تعثر تحديث التطبيقات البنكية إصدار قرار تعليق تحديث أو خدمة إذا رأى أنها تعرض الاستقرار التشغيلي للخطر؟

 

  • وهل توجد غرامات أو إجراءات تأديبية معلنة بحق مؤسسة تفشل بصورة متكررة في توفير خدمة دفع مستقرة؟

 

  • وهل يحق للزبناء المطالبة بتعويض مادي عن رداءة أو تعطل خدمة هذا التطبيق المصرفي أو ذاك ؟

 

  • وهل ما ينطبق على التطبيقات النكية يسري على جميع التطبيقات الخدمية في البلاد ، من تطبيقات سيارات الاجرة لتطبيقات البيع والشراء عبر الانتنرت وهنا تتجه الأنظار لجهات الوصاية الناظمة لكل هذه التطبيقات هل هي وزارة الرقمنة المنشغلة بآخر تقنيات الذكاء الإصطناعي!! 

 

ليست قضية «بنكيلي» وحده

 

ليس من المنصف تحويل واقعة تحديث فاشل إلى حكم شامل على تطبيق «بنكيلي» أو على القطاع المصرفي الموريتاني. كما أن تكرار الأعطال لا يعني بالضرورة  وجود تلاعب أو اختراق.

 

لكن تكرار المشكلة في خدمات مالية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية يجعلها قضية ثقة عامة ، والثقة المهزوزة تضر سمعة مؤسسات الخدمات ، اما المؤسسات المالية فتؤدي بها للإفلاس مباشرة، لأن المودعين سيبادرون لسحب أموالهم ، كي لا يخسروها للأبد..

 

فالزبون الذي يصل إلى محطة وقود، أو صيدلية، أو مطعم، أو متجر، ثم يكتشف أن وسيلة الدفع التي يعتمد عليها لا تعمل، لا يستطيع ببساطة أن يقول إن «التطبيق تحت الصيانة». بالنسبة إليه، الخدمة فشلت ، والزبون اختار هذه الخدمة لأداء أحتياجاته في اي وقي يحتاج إليها.

 

ومع توسع الدفع الرقمي، يصبح الاعتماد على التطبيقات أكبر، وتتضاعف مسؤولية المؤسسات والبنك المركزي أكبر.

 

المطلوب:  خدمات شفافة  لا تبريرات !!

 

القضية التي تطرحها أزمة «بنكيلي» اليوم  ليست المطالبة بمنع الابتكار، وإنما حماية الابتكار من أخطاء التسرع، فالمطلوب من البنوك أن تكشف بوضوح طبيعة الأعطال المتكررة، وأن تعتمد اختبارات تدريجية للتحديثات، وأن توفر خطط طوارئ حقيقية وبدائل فورية للزبناء.

 

والمطلوب من البنك المركزي أن يوضح للرأي العام معايير الرقابة على التطبيقات المالية، وحدود مسؤوليته، وآليات العقوبة عند الإخلال بمستويات الخدمة أو الأمن أو حماية المستهلك.

 

أما الزبون، فلا ينبغي أن يكون حقل الاختبار الأخير لتحديثات لم تنضج بعد معالمها و مآلاتها .

 

خـــــــــلاصة :

حين يصبح الهاتف بنكاً، يصبح تعطل التطبيق أكثر من خلل تقني؛ إنه خلل في الثقة المالية. وهذه الثقة لا تُبنى بالإعلانات عن «الخدمات الأسرع والأكثر أماناً»، وإنما بقدرة النظام على أن يعمل عندما يحتاجه الزبون، وبوجود جهة رقابية تستطيع أن تسأل: لماذا تعطل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وكيف نضمن أن  لا يتكرر ؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى