“لايف للإغاثة والتنمية”.. خلال أسبوع السلام الدولي.. جهود حثيثة لصناعة السلام والأمان
السلام الحقيقي في أفريقيا يعني استعادة كرامة الإنسان وضمان الحق في المأوى والغذاء والتعليم والرعاية الصحية
إعداد :سنيم الريدي – صحفية مصرية مستقلة
السلام ليس مجرد غياب أصوات القنابل، ولا يعني فقط عودة الهدوء. فبالنسبة لطفل عاش الحرب، قد يعني السلام العودة إلى مقعد دراسي آمن. وبالنسبة لأرملة، قد يعني أن يكون لديها منزل تعيش فيه مع أطفالها دون خوف من أن ينهار عليهم فجأة. وبالنسبة لشخص من ذوي الإعاقة، قد يعني استعادة جزء من استقلاليته والشعور بأنه لا يزال مشاركًا بشكل كامل في حياته. وبالنسبة للمريض، قد يعني السلام الوصول إلى الأدوية التي لم يكن قادرًا على توفيرها. أما بالنسبة لكبار السن، فقد يتمثل في الاهتمام والرعاية التي تحميهم من الصعوبات والمخاوف المرتبطة بتقدم العمر.
وفي الوقت الذي يحتفي فيه العالم بأسبوع السلام الدولي، لا يزال ملايين النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعيشون في مناطق متأثرة بالصراعات يواجهون واقعًا بعيدًا كل البعد عن هذا المفهوم للسلام: مدارس مغلقة أو مدمرة، وأسر تفرقت بسبب النزوح القسري، وأجيال تنشأ وهي تحمل آثارًا نفسية واجتماعية قد تستمر لسنوات طويلة.
فكيف يمكننا الحديث عن السلام، بينما لا يزال هناك إنسان محرومًا من أبسط مقومات الحياة الآمنة والكريمة؟
قصص إنسانية تنادي بالسلام الحقيقي
قدمت مؤسسة لايف للإغاثة والتنمية عددًا من النماذج التي توضح الأثر الملموس للعمل الإنساني، الذي يسعى إلى منح السلام معنى حقيقيًا في حياة الأشخاص الأكثر احتياجًا إليه.
ويقول الدكتور عبد الوهاب علاونة، المدير الإقليمي للشرق الأوسط:
«السلام الحقيقي لا يبدأ فقط عندما تصمت الأسلحة، وإنما عندما يستعيد الناس حقهم في التعليم والرعاية الصحية والأسرة والأمان والأمل في المستقبل والحياة».
بدأت مؤسسة «لايف» العمل في المناطق عالية الخطورة في العراق عام 1994، للاستجابة للاحتياجات الأساسية لآلاف الأشخاص. ثم توسع نطاق عملها ليشمل 61 دولة حول العالم.
ويضيف:
«نحن لا نترك أي شخص يعاني أو يواجه حالة طوارئ دون مساعدة عندما تتمكن فرقنا من التدخل وإنقاذه وتوفير الظروف المعيشية التي يحتاج إليها».
وتُعد برامج دعم الأيتام والتعليم والوصول إلى المياه النظيفة من بين البرامج الرئيسية للمؤسسة، إلى جانب التدخلات الطارئة التي توفر المأوى الآمن والغذاء والدواء والمياه.
وعلى مدار 34 عامًا من العمل، ساهمت هذه التدخلات في تحسين حياة الملايين من الأشخاص، بغض النظر عن دينهم أو أصلهم أو جنسهم.
السلام يعني أيضًا المأوى الآمن والغذاء والتعليم والدواء
التقينا بأشخاص استفادوا من هذه البرامج.
في الضفة الغربية، استفادت أسر الأيتام من برنامج للكفالة منحها مساحة أكبر لتحديد احتياجات أطفالها بنفسها.
وتوضح أم يزن، وهي أم نيجيرية، أن الدعم الذي تلقته عبر محفظة إلكترونية مكّنها من شراء احتياجات أطفالها بنفسها. ووفقًا لها، فقد منحها هذا الدعم أيضًا شعورًا أكبر بالاحترام والاستقلالية.
وفي كينيا، تعاني ماجدولين، البالغة من العمر خمس سنوات، من الصرع وتأخر في النمو. وكانت جدتها تواجه صعوبة في شراء أدويتها بانتظام. وقد مكّن الدعم المقدم للأسرة من الحصول على العلاج بصورة أكثر انتظامًا وفي ظروف أكثر كرامة.
وفي السودان، تلقى آلاف الأطفال الأيتام مساعدات شملت الغذاء والدعم التعليمي والنفسي والاجتماعي والملابس. ولم تقتصر المتابعة على توزيع المساعدات، بل عملت الفرق مع المدارس لمتابعة الحضور واكتشاف الأطفال الذين يواجهون صعوبات تعليمية أو سلوكية.
كما أُنشئت مجموعات من الأقران، وفرت للأطفال مساحة للتعبير عن مشاعرهم واستعادة جزء من ثقتهم بأنفسهم.
الخوف من المستقبل قد يكون أيضًا شكلًا من أشكال الحرمان من السلام
في أوغندا، واجهت أمينة نكاتو، وهي أرملة من ذوي الإعاقة، صعوبات كبيرة في توفير احتياجات أطفالها. وكانت تخشى حتى أن تضطر إلى طرق أبواب الآخرين بحثًا عن الطعام.
ولذلك، فإن حصول أسرتها على سلة غذائية لم يوفر لها الطعام فحسب، بل ساعد أيضًا على تخفيف الشعور المستمر بالخوف وعدم اليقين.
وفي إطار المشروع نفسه، استفاد الطفلان اليتيمان أحمد وفاطمة، من مصر، اللذان فقدا والدهما وأصبحا تحت رعاية جدتهما، من مساعدات غذائية وفرت لأسرتهم قدرًا من الاستقرار خلال شهر رمضان.
وفي تشاد، وصلت المساعدات الغذائية إلى أسر سودانية نازحة تعيش في المخيمات، من بينها أسرة جعفر، وهو شخص من ذوي الإعاقة كان يشعر بشكل كبير بثقل مسؤولية توفير الطعام لأسرته، وكذلك أسرة أم محمد، وهي أرملة تعيش مع أطفالها الستة.
وبالنسبة لهذه الأسر، ساعد الدعم في تخفيف القلق اليومي المرتبط بسؤال بسيط لكنه مؤلم للغاية: ماذا سنأكل غدًا؟
عندما تصبح الخيام ملاذًا للسلام
تُظهر تجربة أخرى في غزة كيف يمكن للمأوى نفسه أن يصبح عنصرًا من عناصر الأمان النفسي.
وفي إطار إحدى تدخلاتها الطارئة، وفرت مؤسسة «لايف» خيامًا وأغطية مشمعة لنحو 40 ألف شخص من النازحين، من بينهم أسر تعولها نساء، وكبار السن، وأشخاص من ذوي الإعاقة.
وتقول هدى، وهي أم لثمانية أطفال، إن الحصول على خيمة وفر لأطفالها مكانًا أكثر أمانًا للنوم، وأعاد إلى أسرتها شعورًا بالحماية والخصوصية، لا سيما من خلال وجود مرافق صحية داخل الخيمة وتوفير مستلزمات الكرامة لفتياتها.
وفي ليبيا، تقول ليلى، التي تحمل ملامح وجهها آثار الزمن والمحن، إن مؤسسة «لايف» وفرت لها وسيلة للتدفئة خلال فصل الشتاء، وهي فترة كانت تسبب لها قلقًا كبيرًا. إذ إن تقدمها في العمر يمنعها من العمل لتلبية احتياجاتها.
وفي إثيوبيا، كان «كو» يتمنى أن يتمكن من تخصيص وقته للدراسة في خيمته المتواضعة بدلًا من العمل لإعالة أسرته. وقد مكّن تدخل «لايف» من عودته إلى المدرسة، إلى جانب توفير الاحتياجات الأساسية لوالدته وإخوته العشرة.
الدعم النفسي لمواجهة آثار الحروب والأزمات ضرورة
كما تحدثنا مع الدكتور أمجد مرعشلي، أستاذ الطب النفسي في جامعة دمشق، الذي يوضح:
«الاحتياجات الأساسية للحياة لا تنفصل عن الصحة النفسية. فالحروب والنزوح القسري وفقدان أفراد الأسرة والمرض والفقر لا تؤدي فقط إلى نقص الغذاء أو الدواء، بل يمكن أن تولد أيضًا القلق والحزن والشعور بانعدام الأمان واضطرابات النوم وصعوبات التركيز. ويعاني معظم الأشخاص المتضررين من حالات الطوارئ من درجة معينة من الضيق النفسي، بينما يحتاج بعضهم إلى دعم نفسي واجتماعي أو رعاية متخصصة».
ويضيف:
«ولهذا السبب، فإن الدعم المنتظم يؤدي وظيفة تتجاوز مجرد تلبية الاحتياج المادي. إذ يمكن أن يساعد في تقليل جزء من حالة عدم اليقين التي يعيشها الإنسان. فعندما يعرف الأب أن أسرته ستتمكن من الحصول على الغذاء، أو تستطيع الأم شراء دواء طفلها، أو يجد الطفل مكانًا آمنًا للتعلم واللعب، فإن ذلك يمكن أن يساعد الأسرة على استعادة قدر من الروتين والشعور بالقدرة على مواجهة المستقبل».
السلام يعني تغييرًا ملموسًا في حياة الفئات الأكثر احتياجًا
وتضيف الدكتورة إلهام القاضي، أستاذة علم الاجتماع في جامعة القاهرة:
«المساعدة الإنسانية لا تقتصر على تقديم الغذاء أو الدواء، بل هي أيضًا وسيلة لمساعدة الأسر على استعادة توازنها وكرامتها وقدرتها على اتخاذ القرارات. فعندما يحصل الأطفال على فرصة للعودة إلى المدرسة، وتتلقى الأسر الدعم الذي يمكّنها من تلبية احتياجاتها، فإننا لا نستجيب لأزمة فورية فحسب، بل نعزز أيضًا قدرتها على مواجهة الصعوبات».
وتتابع:
«ولهذا أرى أن فعالية العمل الإنساني لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد المساعدات التي تم توزيعها، وإنما بما يتغير فعليًا في حياة الناس بعد حصولهم عليها: هل تمكن طفل من استئناف تعليمه؟ هل تشعر أم بمزيد من الأمان؟ وهل تمكنت أسرة من استعادة جزء من استقلاليتها وأملها في المستقبل؟»
وتضيف:
«ومن هنا تأتي أهمية تعزيز شبكات الدعم المجتمعية والأسرية، إلى جانب توفير أنشطة تساعد الأطفال على استعادة قدر من الروتين وتنمية قدرتهم على التكيف، ودعم الأشخاص الذين يقدمون لهم الرعاية حتى يتمكنوا من التعامل بصورة أفضل مع صعوباتهم الخاصة ومساندة أطفالهم».
لمزيد من المعلومات: هنا

السلام الحقيقي في أفريقيا يعني استعادة كرامة الإنسان وضمان الحق في المأوى والغذاء والتعليم والرعاية الصحية


